كرامه للبيع
منى السيد
أنا بشتغل في محل، وظروفنا المادية كانت صعبة جدًا. أول ما صاحب الشغل عرف إن التلاجة عندنا باظت وإن البيت ناقصه حاجات أساسية، هو وأهله وقفوا جنبي، وجمعوا فلوس واشترولي تلاجة، وكمان وفرولنا شوية أثاث. عمري ما نسيت جميلهم، ولسه بدعيلهم لحد النهارده…
لكن مع الوقت، بدأت أحس إن كل مساعدة كان ليها تمن… تمن مكنتش متخيلة إني هفضل أدفعه كل يوم….
بـدايـة حكـايـة:
أنا اسمي سلمـى، عندي خمسة وعشرين سنة، وبشتغل في محل أدوات منزلية في وسط البلد. المرتب على قده، لكنه كان بالنسبة لبيتنا طوق نجاة…إحنا أسرة بسيطة جدًا.
بابا تعبان ومبقاش يقدر يشتغل زي زمان، وماما بتحاول تدبر مصاريف البيت بأي طريقة، وأخويا الصغير لسه بيدرس.
وكان عندنا مشكلة يمكن ناس كتير تشوفها بسيطة… لكنها بالنسبة لينا كانت كارثة.
التلاجة باظت…في عز الصيف…كل يوم ناكل اللي هنطبخه في نفس اليوم، ولو فضل أكل يبوظ…اللبن يحمض.
الخضار يذبل، واللحمة مبقيناش نعرف نجيبها أصلًا.
كنا حاسين إن البيت ناقصه أهم حاجة…ومع إن الصنايعي جه أكتر من مرة، إلا إنه قال إن إصلاحها هيكلف مبلغ كبير، ويمكن بعد كل ده تبوظ تاني…
يومها رجعت الشغل وأنا مخنوقة…مكنتش قادرة أخبي اللي جوايا…واضح إن وشي كان بيحكي كل حاجة.
صاحب المحل بصلي وقال: مالك يا سلمى؟
قلتله وأنا بحاول أبتسم: مفيش… شوية مشاكل في البيت.
فضل يسأل لحد ما حكيتله…مكنتش متوقعة إنه يهتم للدرجة دي.. حصري على صفحة روايات و اقتباسات
بعد كام يوم، لقيته بيناديني بعد الشغل…دخلت المكتب.
ابتسم وقال: متقلقيش… ربنا بيبعت لكل واحد رزقه.
وحط قدامي ظرف…فتحت الظرف وأنا مستغربة.
لقيت فيه مبلغ كبير…اتوترت وقلت بسرعة:
ـ لا يا أستاذ… أنا مقدرش آخد الفلوس دي.
ابتسم وقال: دي مش مني لوحدي… أنا وأهلي وجماعة من معارفنا حبينا نساعدكم.
فضلت أرفض…لكنه قال جملة عمري ما هنساهالوش.
ـ بكرة لما ربنا يوسعها عليكي… ساعدي غيرك.
رجعت البيت يومها وأنا بعيط…بس المرة دي من الفرحة.
وبعد أسبوع كانت عندنا تلاجة جديدة…يمكن مش أحدث موديل…لكن كانت بالنسبالنا كنز…وموضوع المساعدة مخلصش عند كده.
#حكايات_مني_السيـد
بعد فترة، مرات صاحب الشغل قالتلي إن عند قرايبها غرفة نوم وسفرة بحالة كويسة، وهما هيغيروا العفش.
قالتلي: لو محتاجينهم… خدوه.
وفعلًا جابوه لحد البيت..يومها ماما فضلت تدعيلهم بالساعات. حصري على صفحة روايات و اقتباسات
وقالتلي: الناس دي وشها خير علينا.
وأنا كنت مقتنعة بكلامها…كل يوم أدعيلهم…وأقول لنفسي…لسه الدنيا فيها خير…لكن…مع الوقت…
بدأت أحس إن في حاجة بتتغير…في الأول كانت طلبات بسيطة.
ـ يا سلمى… وإنتي نازلة هاتي عيش.
ـ يا سلمى… اعدي على السوبر ماركت.
ـ يا سلمى… هاتي شوية منظفات.
كنت بقول عادي…يمكن مستعجلين…يمكن مرة وهتعدي.
لكن المرة بقت اتنين…والاتنين بقوا عشرة، وبعدين بقيت كل يوم تقريبًا بسيب المحل في نص الشغل.
ألف على السوق، أجيب خضار، وأجيب فاكهة، وأشيل كراتين.
وأرجع، ولما أوصل…المدام تقولي:
ـ اطلعيهم فوق.
أبص على العمارة…خمسة أدوار…من غير أسانسير.
وأطلع….كيس في إيد…وكيس في الإيد التانية…وأوقات شنطة على كتفي، ولما أوصل آخر دور…أكون نفسي مقطوع.
وهي بكل بساطة تقول:
ـ تسلمي يا بنتي.
وأرجع أنزل تاني على المحل، ولا كأن حاجة حصلت.
وفي مرة…كنت واقفة بخدم زبونة…لقيت صاحب الشغل بينادي عليا…جريت افتكرت إن في حاجة مهمة.
قاللي: انزلي بسرعة افتحي باب الجراج… ابني داخل بالعربية.
جريت…فتحت الباب، وابنه دخل بالعربية. .حتى كلمة شكر مقالش…بعدها نزل من العربية، ورمى المفاتيح في إيدي وقال: اقفلي بقى.
وقفل باب العمارة وطلع، وقفت مكاني مستغربة.
أنا بعمل إيه؟…..هو ده شغلي؟
لكن سكت…وبرضه قلت لنفسي…يمكن عشان اللي عملوه معايا. حصري على صفحة روايات و اقتباسات…
مرة تانية…ابنه رجع من السفر…العربية مليانة شنط.
صاحب الشغل نده عليا.
ـ يا سلمى… ساعديه.
افتكرت هينزل يشيل معايا…لقيته طلع السلم قدامي وهو ماسك موبايله، وسابني أشيل شنطتين كبار.
كل طلعة سلم كنت بحس ضهري بيتكسر، ولما وصلت فوق…
لقيته قاعد بيشرب عصير، ولا حتى قال: تعبتي.
وبدأت الطلبات تكبر…مرة أكنس الرصيف…مرة أمسح مدخل العمارة…مرة أوصل ظرف لحد…مرة أجيب دوا…مرة أروح أدفع فاتورة.
كل ده…في وقت الشغل، وأرجع ألاقي الزباين مشيوا.
ولما المبيعات تقل…يتقال إن المحل بقى واقف.
وفي يوم…عديت قدام محل جنبنا…لقيت بنت في سني واقفة بتبيع.
دخل زبون…باعِتله الحاجة…حاسبته. وخلصت.
بس….لا حد قالها روحي السوق، ولا اطلعي شيلّي شنط.
ولا افتحي جراج، ولا اكنسي شارع، وقفت أبصلها وأنا حاسة إن في غصة في قلبي.
هو أنا اللي مكبرة الموضوع؟
ولا فعلًا في حاجة غلط؟
#حكايات_مني_السيـد
كل ما أرجع البيت وأقول لماما…
تقولي: يا بنتي استحملي… الناس دي ليها فضل علينا.
وأقنع نفسي بكلامها…لكن جوايا كان في صوت بيكبر كل يوم.
صوت بيقول: الجميل عمره ما كان معناه إن كرامتك تبقى تمنه.
وفي كل صباح…وأنا ماشية ناحية المحل…كنت بحس إن رجلي تقيلة…مش بسبب الشغل…لكن بسبب الإحساس إني رايحة لمكان مش عارفة أنا فيه موظفة…
ولا حاجة تانية…لحد ما جه اليوم…
اللي خلاني أفهم إن اللي كنت فاكرة إنه مجرد طلبات زيادة…
كان لسه مجرد البداية.
اليوم ده…لما صاحب الشغل وقف قدام كل الزباين، وبصلي وقال بصوت عالي: سيبي اللي في إيدك… واطلعي اغسلي مواعين الغدا عند المدام، الضيوف خلصوا أكل…
وساعتها…كل اللي في المحل سكت…أما أنا…
فاتجمدت مكاني، وحسيت إن كرامتي كلها بتتفرش قدام الناس… ومكنتش أعرف إن القرار اللي هاخده بعد اللحظة دي، هيقلب حياتي كلها ووو……!!!!!
#حكايات_مني_السيـد