كرامه للبيع
منى السيد
## الفصل الثاني
نزلت الكلمة عليا زي المية الساقعة في عز طوبة. حسيت إن النفس اتكتم في صدري، والرجلين اللي كانت شايلاني مبقتش قادرة تسندني ثانية واحدة. المحل كله سكت، الزباين اللي كانوا واقفين بينقوا أطباق وكوبايات سكتوا وبقوا يبصوا عليا… نظراتهم كانت حامية، مكسوفة ليّ ومشفقين عليا، وفي نفس الوقت مستغربين.
أستاذ مدحت، صاحب المحل، كان واقف وحاطط إيده في جيبه بكل برود، وكأنه مقالش حاجة غريبة، وكأنه بيطلب مني أجيب دفتر الفواتير مش أطلع أغسل مواعين!
حسيت بدموعي بتتحوش في عيني، بس حلفت مسبهاش تنزل قدام حد. بلعت ريقي بصعوبة وقلت بصوت حشرج من كتر الصدمة:
ـ أستاذ مدحت… أنا هنا بشتغل في المحل… ببيع وبحاسب الزباين. شغل البيت ده مش بتاعي.
وش أستاذ مدحت اتغير في ثانية، الابتسامة المزيّفة اختفت، وحواجبة اتضموا بغضب وهو بيبصلي من فوق لتحت وقال بصوت واطي بس كله سم:
ـ جرى إيه يا سلمى؟ رجليكي شالتك خلاص؟ بقيتي بتعرفي تقولي لاء؟ وإيه شغل البيت مش بتاعك دي؟ إحنا أهل يا بنتي… ولا إنتي نسيتي؟
كلمة “نسيتي” دي كانت بتدبحني في كل مرة بتتقال. كانت السكينة اللي بيمشوا بيها على رقبتي عشان أوافق على أي حاجة. الزباين بدأوا يوشوشوا، وأنا حسيت إني لو قعدت ثانية واحدة كمان في المكان ده، كرامتي مش هعرف ألمها تاني من على الأرض.
سيبت علبة المعالق اللي كانت في إيدي على المكتب، وأخدت شنتطي من ورا الفاترينة. إيدي كانت بترتعش وأنا بلم حاجتي. بصيتله وقلت وعيني في عينه:
ـ لأ منسيتش يا أستاذ مدحت… بس الجميل مش معناه استعباد. أنا ماشية.
خرجت من المحل وأنا بجر رجلي جر، الشارع كله كان بيلف بيا. وسط البلد وزحمتها ودوشتها، كل ده كان بيخبط في دماغي. كنت بمشي وأنا مش شايفة قدامي، الدموع اللي حبستها بدأت تنزل وتغرق وشي. كنت حاسة بقهر… قهر شديد قوي. هو عشان الغلب والفقر، الناس تفتكر إنها امتلكتنا؟ عشان تلاجة وعفش قديم نلغي كرامتنا ونبقى خدامين؟
وصلت البيت وأنا منهارة. دخلت رميت الشنطة، وماما أول ما شافت منظري وعيني المنفوخة من العياط تخضت وجريت عليا:
ـ في إيه يا سلمى؟ ماله وشك؟ حصل إيه في الشغل يا بنتي؟
قعدت على الكنبة وأنا بترعش وحكيتلها كل اللي حصل… من أول نظرات الزباين لحد كلمة أستاذ مدحت وطلبه إني أطلع أغسل المواعين، وقولتلها إني سيبت الشغل ومش هعتب المحل ده تاني.
توقعت إن ماما تاخدني في حضنها وتقولي فداكي الشغل وفداكي أي حاجة، لكن لقيتها لطمت على صدرها وقعدت تعيط وتقول:
ـ يخرب بيتك يا سلمى! عملتي إيه؟ سيبتي الشغل؟ وقولتيله لاء؟ يا بنتي دول ليهم جمايل مغرقانا! التلاجة اللي شايلة أكلنا، والسرير اللي بنام عليه ده من خيرهم! هتقولي للناس إيه لما يعرفوا إنك طردتي نعمتهم؟ وبعدين المرتب اللي عايشين منه ده هنعوضه منين؟ أبوكي علاجه غالي، وأخوكي مصاريف دراسته مابتخلصش!
كلام ماما كان زي السكاكين بتغرز في قلبي. بصيت للتلاجة الجديدة اللي في الصالة، حسيت فجأة إنها مبقتش جهاز منزلي، دي بقت قفص حديد محبوسين جواه.
ـ يعني إيه يا ماما؟ ـ قلتها بصوت مخنوق من العياط ـ أروح أغسلهم المواعين؟ أكنس الشارع وأمسح السلم عشان التلاجة؟ الكرامة ملهاش تمن عندك؟
ماما عيطت وقالت بضعف وقهر:
ـ الكرامة للغلابة اللي زينا يا بنتي بتبقى رفاهية مش قادرين على تمنها… روحي اعتذريله، وبكره المية ترجع لمجاريها.
قفلت على نفسي باب الأوضة، ومقدرتش أنام طول الليل. كلام ماما بيلف في دماغي، وصوت أستاذ مدحت وهو بيذلني قدام الناس بيتعاد في ودني زي الأسطوانة المشروخة. كنت حاسة إني بين نارين… نار كرامتي اللي اتداست، ونار بيتنا اللي محتاج كل جنيه عشان يمشي.
تاني يوم الصبح، مصحيتش في معادي. سيبت الوقت يعدي، وكنت باصة للسقف وبفكر هعمل إيه. على الساعة حداشر الظهر، لقيت تليفوني بيرن. بصيت في الشاشة، لقيت الرقم بتاع المدام… مرات أستاذ مدحت.
قلبي انقبض، بس رديت.
ـ أيوة يا مدام.
صوتها جه حاد وجاف، مفيش فيه النبرة الحنينة اللي كانت بتكلمني بيها زمان:
ـ إيه يا سلمى؟ منزلتش الشغل ليه؟ وأستاذ مدحت بيقول إنك اتعصبتي عليه امبارح ومشيتي؟ جرى إيه يا بنتي، إحنا قصرنا معاكي في حاجة؟ ده إحنا شيلناكي وشيلنا بيتك لما كنتوا مش لاقيين تاكلوا!
نفس الكلام… نفس الذل.
قلت بصوت حاولت أخليه قوي:
ـ يا مدام أنا بشكركم على وقفتكم جمبنا، بس أستاذ مدحت طلب مني أغسل المواعين قدام الزباين، وده مش شغلي.
ضحكت بتهكم وقالت:
ـ وفيها إيه؟ يعني إحنا لما نطلب منك مساعدة بسيطة في البيت يبقى عيب؟ ده إنتي زي بنتنا، والعشم بينا كبير… على العموم، أستاذ مدحت بيقولك لو منزلتش الشغل انهارده واعتذرتيله، اعتبري نفسك مطرودة، والمبلغ اللي دفعناه في التلاجة والمساعدة اللي فاتت دي كلها، هتبقى دين عليكي ولازم تسدديها، وإلا بقى هضطر أكلم قرايبي ييجوا ياخدوا العفش بتاعهم لأنهم أولى بيه!
الخط قطع. قعدت على السرير وأنا مذهولة. دين؟ وعايزين ياخدوا العفش؟ يعني الموضوع مكنش لله ولا مساعدة، ده كان فخ وإحنا وقعنا فيه بكامل إرادتنا.
نزلت الصالة، لقيت ماما واقفه ووشها أصفر، باين عليها سمعت مكالمتي. بصتلي بقلة حيلة وقالت:
ـ شوفتي؟ شوفتي آخرة العند؟ هنجيب منين فلوس التلاجة لو طالبونا بيها؟ والعفش لو خدوه هنقعد على الأرض؟ غطي على قش الحلة يا سلمى، وانزلي اعتذري وخلي الأيام تعدي.
حسيت بطاقة غضب مكنتش اعرف إنها جوايا. قولت لأ… مش هسكت، ومش هبقى ضحية لجميل مسموم.
ـ مش هعتذر يا ماما، والفلوس دي هتدفع، والعفش ده ييجوا ياخدوه غار في داهية، بس كرامتي مش هتداس تاني.
أخدت شنتطي ونزلت الشارع. كنت محتاجة ألاقي حل، محتاجة شغل جديد وبسرعة جداً. مشيت في المحلات، بسأل في كل مكان… محلات لبس، محلات أحذية، صيدليات، سوبر ماركت… كل ما أدخل مكان، يا إما يقولوا مش محتاجين، يا إما يعرضوا مرتبات متكفيش تمن مواصلاتي.
الشمس كانت حامية، ورجلي ورمت من كتر المشي. قعدت على رصيف في شارع جانبي، وحطيت راسي بين إيديا. كنت حاسة بالعجز. الفقر وحش… وحش قوي بيكسر الضهر ويخلي الواحد يحس إنه قليل.
وأنا قاعدة، لقيت ظل واقف قدامي. رفعت راسي، لقيتها “سحر”… البنت اللي كنت شوفتها واقفة في المحل اللي جمبنا امبارح. بصتلي باستغراب وقالت بابتسامة بشوشة:
ـ إنتي سلمى صح؟ اللي كنتي شغال في محل الأدوات المنزلية؟
وقفت بسرعة ومسحت وشي:
ـ أيوة… أنا.
سحر قعدت جمبي على الرصيف وقالتلي:
ـ أنا شوفت اللي حصل امبارح… وشوفتك وأنتي ماشية. بصراحة، أنتي بطلة إنك وقفتي في وشه وسيبتيله المكان. أستاذ مدحت ده الناس كلها عارفة إنه بيستغل غلب الشغالين عنده.
اتنهدت بوجع وقلت:
ـ بس التمن غالي قوي يا سحر… أنا قاعدة في الشارع بقالي ساعات مش لاقية شغل، وبيتي محتاج ومصاريفنا كتير، وغير كده بيلووا دراعي بجميل عملوه معايا زمان.
سحر سكتت شوية وفكرت، وبعدين ضربت كف بكف وقالت:
ـ طب بقولك إيه… المحل اللي أنا شغالة فيه، صاحب الشغل بيدور على بنت تانية تقف معايا، لأن الرجل زادت علينا والمحل كبر. الشغل عبارة عن لبس حريمي، وصاحب الشغل راجل محترم جداً وبيعاملنا بما يرضي الله، والمرتب أحسن من اللي كنتي بتاخديه بكتير.
لمعت عيني من الأمل:
ـ بجد يا سحر؟ تفتكري يوافق يشغلني؟
سحر قامت وشدتني من إيدي:
ـ تعالي معايا دلوقتي حالا ونكلمه، هو موجود في المحل.
مشينا مع بعض، وكنت بدعي في سري إن ربنا يفتحها في وشي. وصلنا المحل، كان مكانه نضيف وواسع. دخلنا لقيت راجل كبير في السن، وقور ووشه مريح، اسمه الحاج عبد الرحيم. سحر دخلت وكلمته عليا، وحكتله باختصار إني كنت شغالة في المحل اللي جمبهم وسيبته.
الحاج عبد الرحيم بصلي بنظرة أبوية وقال:
ـ أهلاً بيكي يا بنتي… سحر بتشكر فيكي وفي أمانتك. أنا فعلاً محتاج حد يساعدها، بس أهم حاجة عندي الالتزام والأمانة مع الزباين.
قلت بسرعة ولهفة:
ـ والله يا حاج هشيل الشغل في عيني، ومش هقصر في أي حاجة تطلبها مني تخص المحل.
ابتسم وقال:
ـ على بركة الله… هتبدأي من بكره، والمرتب هيبقى كذا… ـ وقال رقم كان ضعف اللي كنت باخده من أستاذ مدحت! ـ
مكنتش مصدقة وداني. حسيت إن طوق النجاة بجد جالي من عند ربنا. شكرت الحاج عبد الرحيم وسحر، وخرجت من المحل وأنا حاسة إن الهوا بقيت قادرة أتنفسه من تاني.
رجعت البيت والفرحة مش سيعاني، دخلت قولت لماما على الشغل الجديد والمرتب. ماما فرحت بس برضه كان باين عليها الخوف:
ـ طيب وفلوس التلاجة والعفش يا بنتي؟ لو أستاذ مدحت جه وطالب بيهم هنعمل إيه؟
بصيتلها بثقة وقلت:
ـ أول مرتب هاخده، هحوش منه، وكل شهر هندفعله جزء من الفلوس كأنه قسط، لحد ما نخلص من جمايله دي خالص ونرمي فلوسه في وشه. أما العفش، لو قرايب مراته جم ياخدوه، يتفضلوا… بيت فخور بكرامتنا ومن غير عفش، أحسن من بيت مليان عفش وصاحبه بيذلنا بيه.
مرت الأيام، وبدأت شغلي الجديد مع سحر والحاج عبد الرحيم. المكان كان جنة بالنسبالي. معاملة محترمة، تقدير، لا حد بيقولي انزلي الجراج ولا اطلعي اغسلي مواعين. كنت بشتغل بضمير وبكل طاقتي عشان أثبت نفسي.
وبعد حوالي أسبوعين، وأنا واقفة في المحل ببيع لزبونة، لقيت حد بيدخل من الباب. بصيت واتصدمت… كانت مرات أستاذ مدحت، ووراها اتنين رجالة من بتوع النقل، وشكلها كان جاي وفي عينيها شر كبير… وبصتلي وقالت بصوت عالي سمعه كل اللي في المحل:
ـ بقا بتهربي وتشتغلي هنا يا سلمى؟ طب وتلايرنا وعفشنا اللي واكلاهم علينا؟ أنا جاية أخد حاجتي دلوقتي حالا يا إما هعملك فضيحة في وسط البلد كلها!
وقفت مكاني، وقلبي بدأ يدق بسرعة، بس المرة دي مكنتش خايفة… المرة دي كنت جاهزة للرد، ومكنتش أعرف إن المواجهة دي هتغير مسار الحكاية كلها وتكشف مستور مكنتش أتخيله… ووو……!!!!!