كرامه للبيع ٢

منى السيد

## الفصل الثالث
دخلتها دي وصوتها العالي خلوا المحل كله يلتفت. الزباين وقفوا، والحاج عبد الرحيم خرج من مكتبه على الصوت وهو عاقد حواجبه ومستغرب من الهجوم ده. سحر جرت وقفت جمبي وهي بتبص لمرات أستاذ مدحت بنظرات كلها ضيق.
أنا في اللحظة دي، حسيت بنبضة خوف خطفت قلبي، بس سرعان ما افتكرت إني مبقتش سلمى بتاعة زمان اللي بتسكت وتطاطي راسها عشان “الجميل”. أخدت نفس طويل، وربعت إيدي وبصيتلها بثبات وقلت بصوت مسموع ونبرة هادية بس قوية:
ـ أهلاً يا مدام… نورتي المحل. بس المكان هنا ليه احترامه وليه صاحب شغل واقف، وصوتك العالي ده ملوش مكان هنا. لو ليكي حق، اتفضلي اطلبي بالأصول، لكن شغل الفضايح ده ميمشيش معايا.
مرات أستاذ مدحت، واسمها مدام إجلال، وشها احمر وعينيها برقت من الصدمة. مكنتش متوقعة الرد ده مني، كانت فاكرة إني هعيط وأترجاها تستر عليا قدام الناس. بصت للحاج عبد الرحيم وقالت بشرشحة:
ـ شوف البت وقوة عينها يا حاج! واقفة تتبغدد وتتكلم وتعمل فيها ست الستات، وهي وأهلها عايشين من خيرنا! واكلين حقنا وفلوسنا، وجاية تشتغل عندك عشان تداري على عملتها!
الحاج عبد الرحيم مشي بخطوات وقورة لحد ما وقف بيني وبينها. رفع إيده وقال بهدوء حازم:
ـ جرى إيه يا مدام؟ إحنا في سوق ولينّا اسمنا، والمحل هنا يدخله الزبون يشتري ويمشي، مش مكان للمشاكل. البنت دي شغالة عندي، وبقيت أنا المسؤول عنها في مكاني. قوليلي بالراحة وبأدب، إيه الحكاية؟ وليكي إيه عندها عشان تيجي بـ “فقا سين” وعمال نقل؟
مدام إجلال حطت إيدها في وسطها وقالت:
ـ ليّ عندها تمن تلاجة جديدة يا حاج، وعفش أوضة نوم وسفرة كاملين قرايبي مدهملهاش لله، دول كانوا سايبينهم أمانة لحد ما يرجعوا من السفر، والهانم وأمها افتكروها ورث! وأهو قرايبي رجعوا وعايزين حاجتهم، يا إما تدفع تمنهم كاش دلوقتي حالا، يا إما تلاجة أستاذ مدحت ترجع، والرجالة دول يطلعوا يلموا العفش من بيتها!
الرجالة بتوع النقل كانوا واقفين وراها وباصين للرصيف ومحرجين، باين عليهم ولاد حلال وملهمش في شغل القطيعة ده.
أنا ضحكت بسخرية، ضحكة وجع وقرف وقلت:
ـ أمانة؟ دلوقتي بقوا أمانة وقرايبك عايزينهم؟ مش إنتي اللي جيتيلي لحد المحل وقولتيلي قرايبي بيجددوا ومش محتاجين العفش وخلوه ليكم وشوفوا الثواب؟ ودلوقتي لما قولت لأستاذ مدحت لأ على الذل والاستعباد، بقيتوا عايزين تمنهم؟
بصيت للحاج عبد الرحيم وتابعت:
ـ يا حاج عبد الرحيم، الناس دي اشتروا تلاجة لبيتنا لما تلاجتنا باظت، وأنا منكرتش ده، وعمري ما نسيت جميلهم. بس التمن كان إني أبقى خدامة ليهم ولأولادهم، أكنس الشارع، وأمسح السلم، وأشيل شيل مش شيلتي، وفي الآخر أستاذ مدحت طلب مني أغسل مواعين الغدا بتاعتهم قدام الزباين في المحل! ولما رفضت، جايين يلووا دراعي بالفلوس والعفش.
الحاج عبد الرحيم بص لمدام إجلال ونظراته اتغيرت تماماً، بقيت كلها استهجان وضيق. الراجل ده أصيل وبيفهم في الأصول، وبص لمدام إجلال وقالها:
ـ الكلام ده حقيقي يا مدام؟ يعني إنتوا بتعايروا البنت بلقمة ولا بمساعدة قدمتوها؟ ده الرسول عليه الصلاة والسلام قال “لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى”. إنتوا كده ضيعتوا ثوابكم، وكمان بتتبلوا عليها في دكانة ناس تانية؟
مدام إجلال زعقت:
ـ ثواب إيه وبتاع إيه يا حاج! إحنا ناس بتوع تجارة وبنفهم في القرش. البنت دي سابت الشغل ووقفت حال المحل عندنا، وإحنا عايزين حقنا. تمن التلاجة والعفش ميت ألف جنيه! تدفعهم دلوقتي حالا يا إما قسماً بالله لأعملها محضر تبديد عمارة وعفش وأحبسها!
أول ما قالت ميت ألف جنيه، الدنيا اسودت في عيني. ميت ألف؟ منين؟ العفش كله كان قديم ومستعمل، والتلاجة كانت عادية جداً متكملش ربع المبلغ ده! دي بتتبلى عليا وعايزة تخرب بيتنا وتذلنا بجد.
سحر صرخت فيها:
ـ ميت ألف جنيه إيه يا ست إنتي؟ حرام عليكي! اتقي الله، ده أنتوا جايبين حاجات مستعملة والتلاجة نوعها قديم! أنتوا عايزين تسرقوا البنت وعينك عينك كده؟
وفي وسط الهيصة دي، لقيت الحاج عبد الرحيم بيمد إيده في جيبه، وطلع دفتر الشيكات بتاعه وبص لمدام إجلال بكل برود وثقة، وقالها:
ـ الميت ألف جنيه بتوعك أهو… هكتبلك بيهم شيك يصرف بكره الصبح من البنك. بس بشرط… تكتبيلي إقرار هنا، وبشهادة الرجالة اللي معاكي والناس اللي في الشارع، إن ملوش عند سلمى ولا عند أهلها لا تلاجة، ولا عفش، ولا قشاية واحدة، وإنكم استلمتوا تمن كل حاجة كاش وبزيادة كمان!
أنا اتسمرت مكاني. دموعي نزلت غصب عني، بس المرة دي من الصدمة والذهول. الحاج عبد الرحيم؟ الراجل اللي ميعرفنيش غير من أسبوعين بس، يدفع ميت ألف جنيه عشان يحميني من الفضيحة ويفك كربي؟
جريت عليه وقلت وصوتي بيرتعش:
ـ لأ يا حاج… أرجوك لأ! أنا مقدرش أخليك تدفع مبلغ زي ده عشاني… أنا ماليش حق عندك لكل ده!
الحاج عبد الرحيم طبطب على كتفي بنظرة حنينة أوي وقال:
ـ اسكني يا سلمى… يا بنتي أنا بشتري بنت أصول وبحمي كرامة واحدة شغالة في مكاني. والفلوس دي مش ببلاش، دي هتبقى دين عليكي ليّ، هتتخصم من مرتبك كل شهر جزء بسيط مش هتحسي بيه، بس تخرجي من المحل ده وراسك مرفوعة ومحدش يجرؤ يلويلك دراعك تاني.
مدام إجلال طمعت أول ما شافت دفتر الشيكات، وعينيها لمعت بالجشع. وافقت بسرعة وقالت:
ـ وأنا موافقة يا حاج… اكتب الشيك وأنا أكتبلك الإقرار اللي إنت عايزه، وإحنا ملناش دعوة بيها تاني، تاخد عفشها تاخد تلاجتها، غارت في داهية.
وفعلاً، الحاج عبد الرحيم كتب الشيك، وخلاها تمضي على ورقة إقرار وتنازل كامل عن أي مطالبات تخصني أو تخص بيتنا، وأخدت الشيك وأخدت الرجالة ومشيت وهي بتبصلي بنظرة تشفي، كأنها كسبت الحرب. لكنها مكنتش تعرف إنها خسرت أخر حتة ستر كانت مدارية جشعهم.
أول ما مشيت، المحل فضي والزباين بدأوا يرجعوا لحالهم. أنا قعدت على الكرسي ومش قادرة أوقف عياط. سحر جابتلي مية، والحاج عبد الرحيم قعد قدامي وقال:
ـ بتعيطي ليه دلوقتي يا سلمى؟ المفروض تفرحي إنك خلصتي من الناس دي.
وقفت ووطيت على إيده عشان أبوسها من كتر الامتنان، بس هو سحب إيده بسرعة وقال بعتاب:
ـ إيه اللي بتعمليه ده يا بنتي؟ استغفري الله. أنا معملتش غير الواجب اللي أي راجل مكان يلاقيكي في الموقف ده يعمله. إنتي بنت بمليون راجل لأنك وقفتي للي بيستغلك، والقرش بيروح وييجي بس الكرامة لو راحت مابتتعوضش.
قلتله وأنا بمسح دموعي:
ـ أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا حاج عبد الرحيم… ربنا يجعله في ميزان حسناتك. أنا هشتغل ليل نهار عشان أردلك الفلوس دي، ومش هسيب المحل لحد ما أخر قرش يرجعلك.
ابتسم وقال:
ـ الشغل شغل يا سلمى، وإنتي شاطرة وأمينة وأنا عارف إني مش هخسر معاكي. يالّا يا بنتي، اغسلي وشك وشوفي الزباين، ورجعي بيتك انهارده وراسك في السماء وقولي لوالدتك إن الهم انزاح.
رجعت البيت يومها وأنا حاسة إن الأرض مش سايعاني من الفرحة والفخر. دخلت على ماما ورميت في حجرها ورقة الإقرار والتنازل وقعدت أحكيلها كل اللي حصل بالتفصيل. ماما فضلت تبكي وتدعي للحاج عبد الرحيم، وتقول:
ـ سبحان الله يا بنتي… ربنا سد عننا باب ظلم، وفتح لنا باب كرم. أنا كنت خايفة عليكي من البهدلة، بس طلعتي أنتي الصح… اللي يبيع كرامته عشان لقمة، بيفضل طول عمره جعان.
عدى شهر ورا شهر، وبقيت حريصة جداً في شغلي. كنت باخد مرتبة المحترم، ويتخصم منه الجزء المتفق عليه للحاج عبد الرحيم، والباقي كان بيكفينا ويفيض، وقدرنا نمشي أمورنا والبركة دخلت بيتنا بجد لأن القرش كان حلال ومن غير ذل. أستاذ مدحت ومحله بقوا بالنسبالي مجرد كابوس قديم وصحيت منه.
لحد ما جه يوم، بعد حوالي ست شهور من الموضوع ده. كنت واقفة في المحل بنظم البضاعة الجديدة اللي وصلت، وسحر كانت واقفة على الكاشير. لقيت راجل غريب دخل المحل، لابس بدلة شيك جداً ومعاه شنطة ملفات، وبص في المحل وقال:
ـ السلام عليكم… أنا بدور على الأنسة سلمى اللي شغال هنا.
وقفت وبصيتله باستغراب وقلت:
ـ وعليكم السلام… أيوة أنا سلمى، تحت أمرك؟
الراجل قرب مني، وطلع كارت شخصي وقدمهولي، وقالي بنبرة جادة جداً:
ـ أنا الأستاذ مجدي، محامي… وجايلك بخصوص قضية تركة وورث تخص والدك، الأستاذ مصطفى!
أنا وماما وسحر اتصدمنا. ورث إيه وتركة إيه؟ إحنا طول عمرنا غلابة ومحيلتناش اللضا، وبابا راجل بسيط ومبروك وعمره ما جاب سيرة إن ليه ورث أو أهل أصحاب ملايين!
بصيت للمحامي وقلت بتعجب:
ـ ورث إيه يا أستاذ؟ إنت أكيد غلطان في الاسم… إحنا أسرة على قد حالنا وبابا ملوش أملاك.
المحامي ابتسم وفتح الملف اللي في إيده، وطلع منه أوراق وصورة قديمة جداً، وبصلي وقال كلمتين خلوا الدم يتجمد في عروقي:
ـ لأ مش غلطان يا آنسة سلمى… والدك يبقى الوريث الوحيد لأرض ومحلات في وسط البلد هنا، كانت متأجرة من سنين طويلة لجد أستاذ مدحت… صاحب المحل اللي كنتي شغالة فيه! وأستاذ مدحت وعيلته كانوا عارفين الحقيقة دي وعاميين عيونكم عنها عشان يفضلوا واكلين حقكم ويدوكم فتافيت على إنها جمايل ومساعدات! ووو……!!!!!
## الفصل الأخير
المحامي قال الكلمتين دول من هنا، وأنا حسيت إن المحل كله بيلف بيا. سحر شهقت وحطت إيدها على بقها مش مصدقة، والحاج عبد الرحيم اللي كان لسه خارج من مكتبه وقف مكانه مذهول. بصيت للورق اللي في إيد المحامي وأنا مش قادرة أستوعب… أستاذ مدحت؟ عيلته؟ المحل اللي كنت بمسح رصيفه وبتبهدل فيه، والأرض اللي واقفة عليها المحلات دي كلها ملك أبويا؟
الحاج عبد الرحيم قرب بسرعة وقال بوقار:
ـ اتفضل يا أستاذ مجدي، اطلبي جوه في المكتب وفهمنا الحكاية دي بالراحة… الكلام ده كبير وجدير بالاهتمام.
دخلنا المكتب كلنا، وإيدي كانت بترتعش وأنا بمسك كباية المية اللي سحر جابتهالي. المحامي قعد وفرد الأوراق قدامنا على المكتب، وبدأ يشرح وعينيه فيها نظرة ثقة:
ـ الحكاية يا آنسة سلمى بتبدأ من جِدك الله يرحمه. كان صاحب أراضي ومحلات كتيرة هنا في وسط البلد في وقت كانت المنطقة دي لسه بتبدأ. جِد أستاذ مدحت أمم لنفسه عقد إيجار قديم طويل الأجل للمحلات دي بتراب الفلوس. لما جِدك توفى، والدك كان لسه صغير ومبيفهمش في التجارة ولا الأوراق، ووالدته أخدته وسافرت بيه المحافظة تانية، وانقطعت أخبارهم. مع الوقت، العقد القديم ده انتهى قانونياً بموت المستأجر الأصلي، وكان المفروض المحلات والأرض ترجع لورثة صاحبها الأصلي… اللي هو والدك، عم مصطفى.
سألت وصوتي طالع بالعافية:
ـ طب وأستاذ مدحت عرف إزاي؟ وليه بابا ميعرفش؟
المحامي اتنهد وقال:
ـ أستاذ مدحت لما لقى القانون الجديد هيخرجه من المحلات وهيضيع عليه الإيجار القديم، بدأ يدور ورا الأوراق لحد ما وصل لعنوانكم وعرف إن عم مصطفى راجل طيب وعلى قده، وميعرفش قيمة الأوراق اللي معاه. بدل ما يديله حقه، قرر يشغلك عنده عشان يفضل عينيه عليكي وعلى عيلتكم، ويبقى عارف كل خطوة بتخطوها. ولما عرف إن ظروفكم صعبة، جه وعمل حكاية التلاجة والعفش والمساعدات دي… مكنش بيساعدكم لله يا بنتي، ده كان بيسكت ضميره بفتات من فلوسكم إنتوا، وكان خايف في أي لحظة تكتشفوا الحقيقة وتطالبوا بحقكم، فكان بيذلك ويصغركم عشان تفضلوا دايماً حاسين بقلة الحيلة وتفضلوا تحت ضرسة!
الحاج عبد الرحيم ضرب كف بكف وقال بغضب:
ـ يا لطيف يا رب! ياكلوا مال اليتيم والغلابة ويوهموهم بالفضل والمنة؟ دي تجارة بالدين وبالإنسانية في أبشع صورها! طب وإنت عرفت طريقنا إزاي يا أستاذ مجدي؟
المحامي ابتسم وبصلي:
ـ أنا كنت المحامي اللي ماسك قضية تصفية تركة قديمة لشركاء جِد سلمى، ولقيت الأوراق الأصلية وعقود الملكية وصور إعلام الوراثة. فضلت شهور بدور على عم مصطفى لحد ما عرفت عنوان بيته، ولما روحت هناك، والدتك قالتلي إنك شغال هنا عند الحاج عبد الرحيم، وجيت عليكي فوراً. يا آنسة سلمى، إنتوا ليكم إيجارات متأخرة وتعويضات ومحلات تسوى ملايين في السوق انهارده!
خرجت من المحل يومها وأنا مش قادرة أمشي من كتر الزلزال اللي جوايا. روحت البيت جري، لقيت ماما قاعدة جمب بابا وهو تعبان وبيكح. دخلت رميت الأوراق في حضنهم والدموع مغرقة وشي، وقعدت على ركبي قدام بابا وحكيتلهم كل حاجة.
بابا بكى بكاء مرير، بكاء راجل عاش طول عمره شايل الهم ومستحمل الغُلب، ولقى فجأة إن كرم ربنا ملوش حدود. وماما كانت بتلطم على وشها وبتقول:
ـ حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا مدحت أنت وأهلك! بقى تذل بنتي وتخليها تشيل كراتين وتمسح سلالم بفلوس أبوها؟ بقى التلاجة والعفش القديم اللي كنتوا هتعملوا بيهم علينا أسياد، هما تمن حقنا اللي واكلينه؟
المحامي مخيبش رجانا. في خلال أسبوعين، رفع القضية وقدم الأوراق والمستندات الرسمية للمحكمة. أستاذ مدحت جاله المحضر لحد المحل، وعرف إن اللعبة انتهت، وإن السحر انقلب على الساحر.
في يوم من الأيام، وأنا واقفة مع الحاج عبد الرحيم في المحل، لقيت أستاذ مدحت داخل، بس المرة دي مكنش الراجل المتكبر اللي حاطط إيده في جيبه وبيمشي بالسم في كلامه. كان وشه أصفر، وظهره محني، وعينيه مكسورة ومليانة رجاء.
قرب مني ودموعه في عينيه وقال بصوت مرعش:
ـ سلمى… يا بنتي… أنا جاي وطمعان في كرمكم. أنا عارف إني غلطت، وعارف إن الشيطان عماني، بس أرجوكي بلاش المحاكم وبلاش الفضايح وطردنا من المحلات. إحنا هنعوضكم وهنديكم اللي تطلبوه، بس بلاش تخربوا بيتي.
بصيتله وأنا حاسة بنظرة عزة وفخر عمري ما حستها قبل كده. مكنتش شمتانة، بس كنت حاسة إن العدالة الإلهية نزلت من السماء مخصوص عشان تطيب خاطري وخاطر أبويا وأمي.
قلتله بهدوء شديد:
ـ أستاذ مدحت… إحنا مش هنخرب بيتك، لأن إحنا ناس بنعرف الأصول ومبناكلش حرام ولا بنحب الأذى. بس الحق حق. المحلات دي هترجع لأبويا، والإيجار هيبقى بالقيمة العادلة بتاعة انهارده، وكل مليم أخدتوه من ورا ضهرنا هيرجع. وإطمن… الشيك اللي مرتك أخدته من الحاج عبد الرحيم الميت ألف جنيه، ده أول حاجة هتتخصم من حسابك وترجع للحاج، لأن الراجل ده اشترى كرامتي في وقت إنت وعيلتك كنتوا بتبيعوا وتشتروا فيها.
أستاذ مدحت وطى راسه في الأرض ومش قادر ينطق بكلمة واحدة، ومشي وهو مكسور البال، بعد ما عاش سنين فاكر إن القرش والفهلوة يقدروا يغطوا على الظلم.
مرت الشهور، والمحكمة حكمت لنا بكل حقوقنا. استلمنا المحلات والأرض، وحياتنا اتغيرت تماماً. نقلنا بابا لمستشفى كبيرة واتعالج وبقى صحته بوم الحمد لله، وأخويا الصغير دخل الجامعة اللي كان بيحلم بيها وهو مطمن إن مصاريفه متأمنة.
لكن أهم حاجة عملتها، إني روحت للحاج عبد الرحيم في مكتبه. حطيت قدامه شنطة فيها فلوس الشيك بالكامل، وفوقيها عقد شراكة في المحل الجديد اللي كنا بنفتحه.
بصيتله وقلت وعيني مليانة امتنان:
ـ الحاج عبد الرحيم… الفلوس دي تمن الشيك اللي فكيت بيه كربي ورفعت بيه راسي قدام الناس. وعقد الشراكة ده، تمن إنك علمتني إن الدنيا لسه فيها خير، وإن كرامة البني آدم متتقدرش بمال.
الحاج عبد الرحيم ابتسم والدموع في عينيه وقال:
ـ أنا كسبت بنت يا سلمى، والتجارة مع أولاد الأصول دايماً كسبانة.
النهارده، وأنا واقفة في محلي الكبير في وسط البلد، وببص لنفسي في المراية، بفتكر الأيام الصعبة… بفتكر طفية النفس وأنا شايلة الشنط على كتفي وطالعة الخمس أدوار، وبفتكر اللحظة اللي أستاذ مدحت قالي فيها “اطلعي اغسلي المواعين”.
ببتسم وبقول لنفسي: الحمد لله. الجميل عمره ما كان استعباد، والفقر مش عيب، بس العيب هو إن الواحد يرضى بالذل. ربنا لما بياخد حاجة، بيعوض بأحسن منها بكتير، بس المهم إن البني آدم يفضل محافظ على كرامته ونفسه عزيزة… لأن الكرامة هي الحاجة الوحيدة اللي لو راحت، مفيش مال في الدنيا يقدر يرجعها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *