متجوزه بقالى سنه ٢

حكايات رومانى مكرم

 

تسمر إبراهيم في مكانه عند عتبة الباب، يده ما زالت قابضة على المقبض الحديدي، وعقله عاجز عن استيعاب الكارثة التي تدور أمامه. نظر إلى حماه الرجل المسن الذي يمد يده بعلبة الحلويات بوجه يشع طيبة وفخر، ثم التفت بمؤخرة عينه ليجد أمه وبناتها الثلاث يقفن خلفه، وقد تحولت وجوههن إلى كتلة من الغيظ والذهول.

ابتلعت الحماة ريقها بصعوبة، ونظرت إلى مروة التي كانت تقف بكبرياء وثبات وسط الصالة، واضعة يدها في وسطها والابتسامة لا تفارق شفتيها. كانت مروة في تلك اللحظة تبدو كقائد عسكري نجح في محاصرة خصمه في بقعة ضيقة لا مخرج منها.

تدارك والد مروة الصمت الثقيل، فتقدم خطوة داخل الشقة وهو يربت على كتف إبراهيم المذهول قائلًا:

* “جرى إيه يا أبو خليل؟ واقف مكانك كأنك شفت شبح! مش هتقول لحماك اتفضل ولا إيه؟ ده أنا جاي وجايب الغالية معايا عشان نلبّي عزومتك اللي مروة قالت لنا عليها.”

هنا تحركت مروة بخفة ونبرة صوت تملأها البهجة المصطنعة:

* “يا مرحب! يا ألف نهار أبيض يا بابا، نورت بيتك ومطرحك يا حبيبي.. اتفضلي يا ماما، ادخلوا الصالة، إبراهيم كان هيتجنن لو ما جيتوش النهاردة، ده من الصبح واقف يشتري اللحمة بنفسه.”

دخل الأب والأم والأخ الأكبر، وتحولت الصالة الصغيرة إلى ساحة حرب باردة. اضطر إبراهيم، تحت وطأة النظرات وحيائه من الرجل المسن، أن يمد يده ويسلم بجفاء وعيون تشتعل شرارًا، وهو يهمس من بين أسنانة لمروة التي مرت بجانبه لتأخذ علبة الحلويات:

* “حسابك معايا بعدين يا مروة.. قسمًا بالله ليكون ليلتك طين.”

نظرت إليه مروة بعينين جامدتين وهمست بنبرة لم يسمعها غيره:

* “وريني هتعمل إيه قدام أبويا يا إبراهيم.. وافتكر إنك إنت اللي جيبت الأكل بفلوسك.”

جلس والد مروة في صدر المجلس، وبجانبه زوجته وابنه. وفي المقابل، جلست الحماة “أم إبراهيم” تشتعل نارًا، وبناتها يتامسحن ويهمسن بكلمات مسمومة. قالت الحماة بنبرة حادة موجهة كلامها لإبراهيم وتتجاهل وجود أهل مروة تمامًا:

* “جرى إيه يا إبراهيم؟ إنت مش قايل لنا إن العزومة دي لينا مخصوص عشان جوز أختك جاي؟ وإيه لمت الناس دي كلها في البيت؟ الشقة مش هتكفينا ولا الأكل هيكفي!”

قبل أن ينطق إبراهيم بحرف، دوت ضحكة مروة العالية وهي تخرج من المطبخ حاملة صواني الفخدة الضاني والرقاق باللحمة المفرومة، ووضعتها في منتصف السفرة قائلة بحفاوة:

* “جرى إيه يا حماتي؟ مفيش حاجة غريبة.. دول أهلي ودول أهلك، والخير كتير والحمد لله بيتنا مفتوح ومفهوش مائدة رحمن ومائدة أسياد! مش كده يا إبراهيم؟ مش إنت اللي قولت لي امبارح عايز عزومة العمر اللي محدش ينساها؟ وأنا قولت مفيش أغلى من بابا وماما يشاركونا اللقمة دي.”

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *