وجع لا ينتهى الاخيره
بقلم امانى سيد
ودارت الأيام وكتبنا الكتاب، ودخلت بيت عبد العزيز وأنا حاطة إيدي على قلبي، بدعي ربنا يديم عليا الراحة اللي حسيت بيها من أول يوم. عبد العزيز مكدبش عليا في كلمة، من أول ليلة دخلت فيها بيته وهو شايلني فوق راسه، بيعاملني كأني ملكة، بيحترم كلمتي ويقدر وجودي، ويهون عليا كل اللي شوفتة في عمري اللي فات.
لكن العوض الكبير، والشفا اللي دخل قلبي وهدا شروخه، كان من يوسف.
في أول أسبوع لينا سوا، كنت واقفة في المطبخ بجهز الغدا، وبعمل له الأكل اللي بيحبه، لقيت يوسف دخل ووقف جنبي، عينه كانت بتلمع بكسوف وبراءة، وفضل يفرك في إيديه وهو متردد.
لفيت وشي ليه وابتسمت وقولتله: “مالك يا حبيبي؟ واقف محتاج حاجة؟ الأكل خلاص قرب يجهز”.
بلع ريقه وبص في الأرض، وبعدين رفع عينه في عيني وقالي بصوت واطي ومتردد، بس طالع من وسط ضلوعه: “هو… هو أنا ينفع أقولك يا ماما؟ أنا بقالي سنين نفسي أقول الكلمة دي لأم بجد… وأنتِ من يوم ما دخلتِ البيت وأنا حاسس إنك أمي”.
في اللحظة دي، حسيت كأن السكاكين اللي كانت مدقوقة في راسي وفي قلبي السنين اللي فاتت كلها اتشدت ووقعت. الدموع نزلت من عيني زي الشلال، بس المرة دي مكنتش دموع قهر ولا رخص، كانت دموع جبر الخاطر من رب العباد.
نزلت لمستواه وخدته في حضني، حضنته بكل قوتي وبقيت أعيط وأنا بطبطب عليه وهو كمان حضنني وبكى في كتفي. الكلمة اللي بخل بيها عليا ابني اللي من لحمي ودمي عشان خاطر فلوس ومظاهر، قالهالي طفل يتيم محتاج للحنان، قالهالي وهو مش مستني مني غير لقمة حلوة ودعوة من قلبي.
قولتله وأنا بمسح دموعه ودموعي: “قولها يا قلب ماما.. قولها يا حتة من عمري، أنا ماليش في الدنيا دي غيرك أنت وأبوك”.
ومن اليوم ده، وبقت الدنيا تضحكلي من جديد. يوسف بقى يدخل من باب الشقة يصرخ بأعلى صوته: “يا ماما.. يا ماما أنا جيت!”، يجري عليا يحكيلي عن صحابه وعن دروسه، وأنا أقعد أذاكرله وأأكله، بس المرة دي مكنتش حاسة إني “دادة” مدفوع لها الأجر ولا سجانة، كنت حاسة إني أم حقيقية، سلكت طريق الحنان ولقيت اللي يقدره.
عبد العزيز لما كان يدخل ويشوف يوسف قاعد في حضني وبيضحك، عينه كانت بتدمع من الفرحة، يقرب مننا ويقولي: “ربنا يخليكي لينا يا نجوى، أنتِ أحيتِ البيت ده ورديتِ الروح ليا ولابني”.
كل واحد فينا عوض التاني عن النقص اللي كان هيموته؛ يوسف لقى الأم الحقيقية اللي تسهر عليه وتخاف عليه من الهوا، وعبد العزيز لقى الست الأصيلة اللي تصونه وتشاركه أيامه بالمعروف، وأنا… أنا لقيت ابني اللي بجد، ولقيت الكلمة اللي عشت عمري كله مستنياها، تطلعلي بالحق ومن غير تمن. وعرفت إن تدبير ربنا فوق الكل، وإنه لما قفل باب الجحيم، فتحلي طاقة من طاقات الجنة.