وجع لا ينتهى الاخيره

بقلم امانى سيد

قرب مني وحاول يمسك إيدي وهو بيعيط: “سامحيني يا ماما.. أنا ماليش غيرك، أنا حاسس إن الدنيا ضاقت بيا ومراتي بدأت تتغير عليا لما الفلوس اتمنعت.. خذيني في حضنك يا أمي”.

في اللحظة دي، دخل يوسف من باب الشقة وهو شايل شنطته، وأول ما شافني جري عليا ورمى نفسه في حضني وهو بيقول بفرحة ملّت المكان: “ماما! أنا نجحت وجبت الدرجات النهائية اللي كنتِ عاوزاها!”

حضنت يوسف وبست راسه بكل حنية، وبصيت لشريف اللي كان قاعد مذهول وعينه مكسورة وهو شايف ابني الجديد في حضني، وقولتله بقلب جامد: “المسامحة عند ربنا يا شريف.. بس أنا خلاص، قلبي مَفتوحش غير للي صانه وعرف قيمتي.. أنت اختَرت طريقك زمان ونَسيتني وأنت قوي وفرحان، والنهاردة رب العباد رد لي اعتباري من قبل ما العيل يتولد.. روح يا ابني، دور على حياتك بعيد عني، أنا هنا نجوى.. أم يوسف وزوجة عبد العزيز وبس”.

ومرت الشهور.. كل شهر بيعدي كان بيبعدني أكتر عن ماضيَّ، ويقربني من دنيتي الجديدة اللي نورت بوجود عبد العزيز ويوسف. وفي الناحية التانية، كانت الشهور بتمر على طليقي وسلوى وهم عايشين في ترقب وانتظار للمعجزة اللي هتنور حياتهم، وميعرفوش إن تدبير ربنا كان بيطبخ على نار هادية.

وجاء يوم الولادة.. اليوم اللي كانوا مستنيينه عشان يكتبوا فيه شهادة ميلاد فرحتهم، وينهوا بيه وجود شريف تماماً.

دخلت سلوى المستشفى في زفة، وجوزي القديم واقف برة صدره منفوخ من الفخر، مستني اللحظة اللي يشيل فيها حتة من صلبه من الست اللي عاشت طول عمرها محرومة. لكن أمر ربنا نفذ في ثانية.. خرج الدكتور بوش خطفه الحزن والكسرة، وبص لطليقي وقاله الكلمة اللي هدت كل قصور الأوهام اللي بَنَوها: “البقاء لله.. الطفل اتولد ميت.. والمدام تعبانة جداً”.

الخبر نزل عليهم زي الصاعقة.. الطفل اللي قفلوا بسببه حنفية الفلوس على شريف، واللي باعوا دنيتهم وأخرتهم وباعوني علشانه، نزل ج*ثة حامدة لا راحت ولا جاءت.

من اليوم ده، والبيت الكبير الغالي اتقلب لخرابة ضلمة.. سلوى دخلت في نوبة اكتئاب حاد، نوبة سودة قفلت عليها باب أوضتها بالشهور. مبقتش تطيق تشوف النور، ولا تطيق تسمع صوت حد. بقت قاعدة وسط دكاترة النفسيين، والعلب الأدوية والمهدئات بقت ماليّة الكومودينو جنب سريرها.. تاخد الحباية من هنا وتنام زي الج*ثة، وتصحى تصرخ وتعيط على ضناها اللي راح قبل ما تشوفه.

وطليقي.. بقى زيها بالظبط، السواد والهم ركبوه من ساسه لراسه. الضحكة اللي كانت بتملى وشه وهو رايح لها هربت ومبقتش تعرف طريق شفايفه. بقى يبص لحاله في المراية يلاقي راجل عجوز مكسور، لا طال زوجة تصونه في كبره، ولا طال العيل الصغير اللي كان بيحلم بيه، وحتى شريف ابنه بقى غريب وعينه مكسورة ومبقاش طايق البيت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *