وجع لا ينتهى الاخيره

بقلم امانى سيد

 

ومرت الأيام والشهور، وأنا عايشة في جَنّتي الصغيرة مع عبد العزيز ويوسف، بعوضهم ويعوضوني عن كل حرمان شُفناه.. لحد ما في يوم، الباب خبط.

فتحت، لقيت شريف واقف قدامي. بس مكنش شريف الشاب الطاير بفرحته ولا اللي صوته تخن عليا بكلمة “طنط”.. كان واقف دبلان، مكسور، وعينه في الأرض ماليها الخزي. دخل وقعد على أول كرسي وقابلني وهو حاطط راسه بين إيديه، وصوته بيترعش وهو بيقول: “الحقيني يا ماما.. الدنيا اتهدت فوق دماغي”.

كلمة “ماما” طلعت منه مخنوقة، بس قلبي المرة دي متهزش ليها زي زمان.. قلبي كان اتشفى واتملى بحب يوسف. قعدت قصاده بكل هدوء وقولتله: “خير يا شريف؟ إيه اللي جابك وإيه اللي هَد الدنيا فوق دماغك؟ مش أنت قاعد في الشقة العالبحر وفلوس ماما سلوى مغرقاك؟”

رفع راسه والدموع نازلة على خده وقال: “المعجزة حصلت يا ماما… المعجزة اللي مكنش حد يتخيلها بعد السنين دي كلها.. ماما سلوى حملت

عدلت جلستي وبصيت له بذهول.. قولتله: “حامل؟ بعد العمر ده كله السنين دي كلها؟”

هز راسه وهو بيمسح دموعه بقلة حيلة وقال: “أيوه يا ماما.. حامل في الشهور الأولى، والمعجزة اللي مكنش حد يتوقعها حصلت.. ومن ساعتها والدنيا اتقلبت فوق دماغي. حنفية الفلوس اللي كنت غرقان فيها اتقفلت بالضبة والمفتاح.. مبقاش فيه هدايا، ولا مصاريف، ولا الدلع بتاع زمان”.

كمل شريف وهو مخنوق بالكسرة: “حتى وجودي في بيت أبويا مبقاش مرحب بيه زي الأول.. بقيت لما أدخل هناك، أحس إني غريب وثقيل على قلبهم. أبويا مبقاش شايف في الدنيا غيرها وغير اللي في بطنها، وكل ما أفتح بوقي وأطلب منه قرش عشان أمشي حالي، يبصلي بضيق ويقولي: (اعذرنا يا شريف، الحمل ومصاريف الدكاترة أولى، وماما سلوى لازم ترتاح ومحدش ينكد عليها.. أنت راجل طول الباب وعيب تمد إيدك لينا بعد ما جوزناك).. رموني يا ماما.. رموني من قبل ما العيل يشرف الدنيا أصلاً.. خافوا على قرشهم من دلوقتي ونسيوا كل اللي فات”.

وقفت وبصيت له.. وافتكرت نفسي لما كنت بقعد في الصالة الضلمة مستنية يوم الأحد ييجي عشان يرجعلي، ولما يرجع يقولي “ماما سلوى م بتعملش كده”. افتكرت يوم ما رماني ورا الكوشة وباعني عشان قرشين الدهب والمظاهر الكدابة.

قولتله بصوت هادي وقوي، صوت الست اللي مبقاش في قلبها مكان للضعف: “دلوقتي بقيت ثقيل يا شريف؟ دلوقتي حَسيت بالرخص وبقيت شايف نفسك مالكش لازمة بعد ما المصلحة قربت تخلص؟ السنين اللي فاتت كنت شايفني سجانة ونكدية، وكنت بتبخل عليا بكلمة ماما عشان مشاعرها.. أهو ربنا دار الدائرة من قبل ما الواد يتولد حتى، والفلوس والمظاهر اللي بعتني وعشت بالطول والعرض عشانها، طلعت كدابة.. وأول ما حسوا إن هييجي ليهم عيل من صلبهم، مَحوا وجودك وباعوك في ثانية زي ما باعوني زمان”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *