ناديه ١

بقلم امانى سيد

ضحكت وقتها… ضحكة طالعة من قلب موجوع.

 

أنا اللي كنت بخدم أمه وأخته من الفجر للفجر. أنا اللي سقطت مرتين عشان ماحدش فيهم يمد إيده في البيت. أنا اللي كنت بنام مهدودة من التعب وأصحى أكمل شغل.

 

وفي الآخر؟ جابوا عليّ ضرة… وواقفِين يزغرطوا لها قدامي.

 

حماتي قامت وقربت مني وقالت بمنتهى الجبروت: — “يالا يا نادية، لمّي الزجاج ده وروحي حضري السفرة… هدير ما تتعبش نفسها، دي حامل.”

 

ساعتها بس… حسيت إن في حاجة جوايا ماتت.

 

بصيت لهم واحد واحد… البيت اللي كنت فاكراه أمان، طلع كله واقف يتفرج على كسرتي.

 

ومحمود؟ كان واقف جنب مراته الجديدة، مبتسم… ولا كأني في يوم كنت مراته أنا.

بصيت للزجاج اللي مالي الأرض، وبصيت لحماتي اللي بتؤمرني ألمّه وكأني كلبة سارحة في البيت مش بني آدمة ليها كرامة. بصيت لمحمود اللي مدّاش نفسه ثانية واحدة يسألني عن حرقة قلبي، وواقف يبص لهدير بنظرات حنينة عمري ما شوفتها في عيونه.

في اللحظة دي، حسيت إن البركان اللي كتمته سنين في قلبي انفجر، بس من غير صوت.. مكنش بركان زعيق، كان بركان عزة نفس وقوة عمري ما عرفت إني شايلاها جوايا.

وطيت على الأرض براحة، ملامحي مكنش فيها دموع، كانت باردة وزي الحيطة. محمود افتكرني انكسرت وهرضخ، ولقيته بيقول بنبرة فيها لؤم: “أهو كده يا نادية، اعقلي ولمي الليلة، والبيت يشيلنا كلنا.”

قمت وقفت.. بس مكنش في إيدي مقشة ولا جاروف. كان في إيدي صينية ألومنيوم تقيلة من اللي كانوا على التربيزة. وقبل ما حد فيهم يستوعب، رزعت الصينية على التربيزة بكل قوتي، الصوت هز الشقة كلها وخلى هدير تتخض وتستخبى ورا محمود.

بصيت لحماتي وقولت لها بصوت حاد وزي الموس:

“أنا ألم الزجاج؟ وأحضر السفرة للهانم؟ ليه؟ إنتِ شايفاني اشتريتيني بفلوسك ولا جايباني من الشارع؟”

حماتي اتصدمت من النبرة وقامت وقفت وهي بتزعق: ” جرى إيه يا بت إنتِ؟ صوتك بيعلى في بيتي؟ نسيتي نفسك ولا إيه؟”

“ما نسيتش!” صرخت فيها وأنا بشاور على محمود وعفاف. “أنا اللي منستش! أنا اللي عمري ما نسيت خدمتكم، ولا نسيت السجاد اللي شيلته وأنا حامل في التاني وسقطت بسببه عشان الهانم عفاف كانت مكسلة تمد إيدها! أنا اللي منستش وقفتي من الفجر في المطبخ والنار مولعة تحت الحلل وعرقي مغرق ضهري عشان تطفحوا وتنبسطوا، وفي الآخر تيجوا تدبحوني في يوم مفترج وتجيبوا لي ضرة وكمان عايزيني أخدمها؟”

محمود قرب مني وهو وشه أحمر وعروقه بارزة، ورفع صباعه في وشي: “نادية! الزمي حدودك ومتنسيش إنك بتكلمي أمي! وموضوع هدير ده أمر واقع، وإنتِ هنا في بيتي، يعني تسمعي الكلام ورجلك فوق رقبتك!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *