جوزى وضرتى ٣
قصص وروايات أمانى سيد
طليقى خلف بنت .. بس بنت معاقة! وحطوها فى الحضانه
الخبر نزل عليهم زي الصاعقة اللي شلت حركتهم وعمت عنيهم. البنت نزلت الدنيا بتعاني من مشاكل صحية كبيرة ومحتاجة عمليات ودخول فوري للحضانة، وكأن ربنا سبحانه وتعالى أراد يوريهم آيته في الأرض ويقولهم إن التدبير تدبيره والملك ملكه وحده.
طليقي وأمه بقوا في حالة يرثى لها، الدنيا اسودت في وشهم والكسرة بانت على ملامحهم قدام العيلة كلها. حماتي اللي كانت بتملى الدنيا صريخ قعدت في المستشفى تندب حظها وتلطم على وشها من الوجع والخسارة اللي حاصرتهم من كل ناحية. بقت تقعد وتندب بصوت مسموع للكل: “يا خراب بيتك يا فوزي.. الشغل ضاع والتجارة بركت من يوم ما سيبنا أبو فوزية ووقفنا حالنا بإيدينا، وفوق الخسارة والفقر يجيلنا بنت معاقة هنلف وراها في المستشفيات والحضانات؟! يا ريتنا ما ظلمنا ولا كسرنا بخاطر حد!”.
طليقي كان واقف وشه أصفر زي الليمونة، ضهره انحنى وعينيه مكسورة ومبقاش قادر يحط عينه في عين حد. الست الجديدة اللي كان بيدلكلها رجلها ويدلعها قدامي، بقت قاعدة تبكي بحرقة وتندب حظها والبنت محبوسة بين الأجهزة في الحضانة ومصاريفها بتقطم ضهرهم اللي كان أصلاً مكسور من خسارة السوق.
لما عمي التاني قفل التليفون ونقلنا الصورة بحذافيرها، الصالة عندنا اتقلبت بسكوت رهيب. بصيت لأبويا لقيت على وشه علامات اللامبالاة هو جه عليه مره وندم وحمد ربنا إنه قدر يلحق نفسه ، طبطب على كتفي وقالي: “شفتي يا بنتي؟ شفتي ربنا لما بياخد حق المظلوم بياخده إزاي؟ سيبناهم لربنا فأرانا فيهم عجائب قدرته.. ادعي لبنتك بالستر يا فوزية، واحمدي ربنا إن خرجك من البيت ده وبناتك في حضنك معافين ومكرمين”.
أنا وقتها بكيت، بس بكيت من هيبة الموقف وعظمة ربنا اللي ميرضاش بالظلم. أخدت بناتي في حضني وضميتهم لصدري وأنا بحمد ربنا على النعمة والستر، وعرفت إن بيبان السما كانت مفتوحة لدعواتي في أنصاص الليالي وأنا مقهورة.
ومع استمرار الأيام والزيارات الأسبوعية اللي كانت بتجمعنا، بدأت أحس إن نظرات ابن عمي ليا اتغيرت، م بقتش مجرد نظرات شفقة أو صلة رحم، بقيت ألمح في عينيه اهتمام حقيقي وطريقة كلامه معايا بقى ليها طعم تاني.
كان كل ما يجي عندنا، يفضل يسألني عن أحوالي وعن البنات ناقصهم إيه، ويسيب القعدة مع الرجالة ويجي يقعد يلعب مع بناتي الصغيرين، ويجيب ليهم ألعاب وحاجات حلوة وهو داخل، لحد ما البنات بقوا يتشعبطوا في رقبته أول ما يشوفوه ويفرحوا بجريته عليهم.
وفي يوم، كنا قاعدين في جنينة بيتهم وبناتي بيجروا ويلعبوا قدامنا، جه قعد قبالي وبص للبنات وابتسم ابتسامة صافية من قلبه، وبعدين التفت ليا وقال بنبرة هادية وكلها حنية: “تعرفي يا فوزية.. البنات دول بقوا حتة من قلبي، الأسبوع اللي م بجيش وأشوفهم فيه بيبقى ناقصني حاجة كبيرة، أنا اتعلقت بيهم وبشقاوتهم بشكل مش طبيعي.. وتملي بسأل نفسي، هما طالعين حنينين وطيبين لمين؟ م بلاقيش إجابة غير إنهم طالعين لأمهم الغالية”.
أنا وشي اتقلب أحمر ونزلت عيني الأرض من الكسوف، فكمل كلامه وهو بيقرب خطوة ولمحلي بكل وضوح عن اللي جوايا وجواه وقال: “أنا عارف إنك مريتي بأيام صعبة وشوفتي قسوة تِهد جبال، بس أنا من زمان وأنا شايفك وشايف أصلك، والنهاردة الشغل اللي بين عمي وأبويا بقى حيطة سد، وأنا نفسي أكون السند والحيطة دي ليكي وللبنات.. أنا مش عايز من الدنيا دي غير إني أكمل عمري معاكي وأشيل البنات دول في عنيا وأعوضك عن كل دمعة نزلت منك غصب عنك، فكري يا فوزية وسيباكي على راحتك، بس اعرفي إن قلبي اختارك واختار بناتك قبل أي حاجة”.
كلامه دخل قلبي زي النسمة الباردة بعد سنين من النار والقهر، وحسيت لأول مرة إن ربنا بيبعتلي العوض الحقيقي اللي يداوي جرحي ويرجعلي هيبتي وكرامتي.
ياترى هتوافق ولا لأ وموقف طليقها هيبقى ايهة