الصوت رن في الممر كله، والناس بدأت تتلفت علينا. مريم نزلت على ركبها في الأرض وهي بتترعش بشكل هيستيري، وإيدها على بوقها مش قادرة تطلع النفس.
وطيت عليها بسرعة وأنا مرعوب، مسكت كتافها: “مريم! في إيه؟ إيه اللي حصل؟ ردي عليا يا مريم!”
مكنتش بتنطق، كانت بتشاور على الموبايل اللي وقع على الأرض وشاشته اتشرخت. أخدت الموبايل ولقيت الخط لسه مفتوح، حطيته على ودني وصوتي بيرجف:
“ألو.. مين معايا؟”
جالي صوت راجل مخنوق بالدموع وبيتكلم بسرعة وصدمة:
“أنا تامر.. ابن خالة مريم.. الحقنا يا أحمد، طنط إلهام (أم مريم) وقعت من طولها فجأة في الصالة، ونقلناها المستشفى العام.. الدكاترة بيقولوا جلطة في القلب والموضوع خطير جدًا.. مريم فين؟ كلمتها ومش بترد!”
الدنيا لفت بيا. أم مريم.. الست اللي مريم كانت بتتبهدل في الكيماوي وتتحمل برودي وكل الوجع ده لمجرد إنها متكسرش قلبها ولا تخليها تشيل الهم. المرض مسبش وقت لمريم عشان تخبي أكتر.
بصيت لمريم اللي كانت بتعيط وبتقول بصوت مسموع بالعافية:
“أمي يا أحمد.. أمي عرفت.. أنا السبب.. هي حست بيا وعرفت!”
شيلت مريم من على الأرض بأقصى سرعة، مكنتش شايف قدامي ولا حاسس بحملها. نسيت جرعة الكيماوي، ونسيت الخلافات، ونسيت كل حاجة.. مفيش في دماغي غير إني لازم أنقذ الست دي عشان مريم متمــ,,ـــــوتش وراها.
ركبنا العربية، ومريم طول الطريق كانت بتدعي وتصوت وهي ماسكة في إيدي بقوة عمري ما تخيلتها.. القوة اللي كانت بتستمدها مني كأني بقيت حبل الإنقاذ الوحيد ليها في الدنيا. وأنا كنت بسوق بأقصى سرعة وبدعي ربنا جوه قلبي: *يا رب متوجعهاش فيها.. يا رب أنا مستعد أتحمل أي حاجة بس مريم متتكسرش الكسرة دي.*
وصلنا المستشفى العام، ممر الطوارئ كان زحمة ودوشة. لقينا تامر ابن خالتها واقف برا الرعاية المركزة ووشه ضايع. مريم جريت عليه ودموعها مغرقة وشها: “أمي فين يا تامر؟ أمي جرالها إيه؟”
تامر بصلي بنظرة عتاب وألم، وقال بصوت واطي:
“الدكاترة جوه معاها.. لسه بيحاولوا يدوبوا الجلطة.. بس هي قبل ما يغمى عليها كانت ماسكة علبة الدوا بتاعتك يا مريم.. كانت بتدور على حاجة في أوضتك ولقيت التحاليل وروشتات الكيماوي.. صرخت صرخة واحدة ووقعت.”
مريم لفت وشها ليا.. النظرة اللي في عينيها دمرتني. كانت نظرة بتقول: *لو كنت وقفت جنبي.. لو كنت شيلت معايا السر.. لو مكنتش سبتني أمشي وأروح عند خالتي.. مكنش كل ده حصل.*
وقعت مريم على كراسي الانتظار، غايبة عن الوعي تمامًا من كتر الصدمة والضغط النفسي والتعب الجسدي من المرض. الدكاترة جريوا عليها وأخدوها في أوضة تانية عشان يعلقوا ليها محاليل.
فضلت واقف في الممر لوحدي.. بين أوضة الأم اللي بين الحياة والمــ,,ـــــوت بسبب الصدمة، وبين أوضة مراتي اللي بتضيع مني وهي لسه في أول عمرها.