اشتريت موبايل ٤
حكايات زهره
جريت أنا وعصام على أخويا، وعينينا متعلقة بشاشة التليفون اللي كان ماسكه وإيده بـ تترعش. أول ما بصيت على الشاشة، شوفت بوست الحاج فوزي صاحب العمارة، كاتب فيه:
“تم بحمد الله بيع الشقة رقم (4) بالدور الثاني تمليك كاش، ونعتذر للسكان الأفاضل عن عدم تجديد الإيجار، مع تمنياتنا للمالك الجديد بالتوفيق والسداد.”
بس الصدمة الحقيقية مكانتش في الكلام.. الصدمة كانت في الصورة اللي الحاج فوزي نشرها مع البوست! كانت صورة لعقد البيع النهائي، ومكتوب فيه اسم المالك الجديد للشقة بوضوح.. المالك الجديد مكنش راجل غريب، ولا مستثمر كاش زي ما الحاج فوزي فهمنا في الصالة.. المالك الجديد كان “حمايا”، والد عصام!
عصام حط إيده على راسه وبقى بيبص للشاشة وهو مش مصدق، وصوت أنفاسه بقى عالي من كتر الذهول: “أبويا؟ أبويا اشترى الشقة تمليك؟ طب إزاي؟ وليه عمل الحوار ده كله مع الحاج فوزي والمحامي وجيه لحد عندنا يطردنا؟!”
أنا في اللحظة دي، فهمت كل حاجة.. شريط الليلة اللي فاتت عدا قدام عيني، وافتكرت نظرات حمايا الذكية وحركته بالعصاية في الأرض لما قال لعصام “شيل شيلتك يا بطل ووريني هتعمل إيه”. حمايا مكنش جاي يتفرج، حمايا راجل صعيدي قديم وأصيل، ولما لقى ابنه بيتبطر على النعمة وبيتقوى بفلوسه على مراته، قرر يربيه ويعلمه أدب البيوت، بس على طريقته الكبيرة اللي متخرش المية!
بصيت لعصام وقولتله بابتسامة ذهول: “أبوك عمل فيك فخ يا عصام.. أبوك اشترى الشقة عشان يضمن إننا مانتهدش في الشارع، بس اتفق مع الحاج فوزي يعمل الفيلم ده كله قدامك عشان يكسر غرورك، ويخليك تحس بقيمة اللقمة والبيت والست اللي كانت شايلاك!”
عصام قعد على الكرسي في ممر المستشفى، وشه كان جايب ألوان، مابين الصدمة، والإحراج، والارتياح الشديد إننا مش هنطرد.. بس الإحراج من أبوه كان مغرقه. بص للأرض وقال بصوت مخنوق: “يااااه يا بويا.. صغرتني قوي قدام نفسي.. بس عندك حق، أنا كنت استاهل أكتر من كده.”
في نفس اللحظة، تليفون عصام رن.. وكان المتصل هو “حمايا”.
عصام فتح الخط وإيده بـ تترعش، وفتح الاسبيكر من غير ما يقصد من كتر اللخبطة. سمعنا صوت حمايا الجهوري والوقور وهو بيقول بنبرة حاسمة وكلها هيبة:
“عرفت يا أبو مروان؟ شوفت العقد؟ الشقة بقت ملكي، يعني ملك ابنك مروان من بعدي.. أنا مش هطردك يا ولد، بس الشقة دي إيجارها القديم اللي كنت بتدفعه للحاج فوزي، هتدفعه من هنا ورايح لمرأتك دكتورتك في إيدها كل أول شهر، تحطه في حساب مروان.. عشان تعرف إن البيوت مبتمشيش بالنيابة والتقسيم، البيوت بتمشي بالفضل والرحمة. وأمك وأختك شيماء بايتين مع هنا انهارده في المستشفى، وانت تاخد مرأتك وابنك وترجعوا بيتكم، والصبح تجيلي البيت تبوس على راس مرأتك وتعتذر لها قدام الكل.. فهمت ولا لسه محتاج درس تاني يا ابن فوزية؟”