ابن عمى ١

امانى السيد

عمى ضغط على ابنه اننا نتجوز مقابل إنه يسيبله اداره الشركه
وقتها منير وافق عشان أداره الشركه بس شرط الجواز يبقى على الضيق وعمى وافق
ولما روحنا طلب منى ما اقولش لحد من الموظفين اننا اتجوزنا وانا وافقت افتكرته مش عايز يقول للناس عشان مايقولوش انى. متعينه بالواسطه
مشيت في ممرات الشركة والكلمات بتاعته لسه بتتردد في ودني زي الصدى: “محدش من الموظفين يعرف إننا اتجوزنا.. مش عايز شوشرة.”
كنت شايلة في إيدي ملف كنت فاكرة إنه محتاجه، وبحاول أطمن قلبي اللي كان بيدق بسرعة. رغم إن الجوازة دي تمت بضغط من عمه عشان إدارة الشركة، إلا إن كان عندي أمل صغير إن الأيام تغيره، وإن معاملته الجافة دي تتدوب مع الوقت.
وصلت لحد باب مكتبه. السكرتيرة مكنتش قاعدة على مكتبها برة، فافتكرت إنها بتصور أوراق أو في الحمام. خبطت خبطة خفيفة، وبحكم إني بقيت مراته، فتحت الباب ودخلت..
فجأة، رجلي اتسمرت في الأرض، والملف وقع من إيدي،
منير كان قاعد على كرسي المكتب، والسكرتيرة قاعدة على رجله، لافة إيدها حوالين رقبته وبيدلعوا بصوت واطي. أول ما الباب اتفتح والورق اتبعثر، السكرتيرة اتخضت ووشها جاب ألوان، وجت تقوم من على رجله بسرعة وهي بتظبط لبسها .
لكن الصدمة الأكبر إن منير مسبهاش تقوم.
مسكها من وسطها جامد وعدلها في قعدتها على رجله أكتر، وبصلي ببرود قاتل مفيش فيه ذرة ارتباك ولا خوف.
رانيا السكرتيرة بصت له بذهول وهمست: “منير.. سيبني..
منير قاطعها وهو باصص في عيني مباشرة، وقال بنبرة هادية ومستفزة لأبعد حدود:
“اقعدي يا رانيا متقوميش. انتى مراتى
النفس هرب مني، وحسيت إن الأرض بتلف بيا. سألت بصوت مرعش ومخنوق:
“منير.. إنت بتعمل إيه؟ إنت اتجننت؟ إنت عارف أنا مين؟”
سند ضهره لورا على الكرسي، وحط إيده على كتف رانيا كأنه بيملكها، وقال بمنتهى القسوة:
“عارف طبعاً.. إنتي اللي شكلِك مش عارفة لسه   . أحب أعرفك.. رانيا مش مجرد سكرتيرة.. رانيا مراتي على سنة الله ورسوله من ٦ شهور.”
الكلمة نزلت على دماغي زي الصاعقة. مراته؟ من ٦ شهور؟! يعني أنا الزوجة الثانية؟ يعني أنا اللي دخلت على حياة تانية مبنية ومستقرة؟
دموعي نزلت من غير إرادة وأنا ببص له بصدمة: “مرتك؟! إنت بتقول إيه؟ يعني إنت متجوزها ومخبين؟”
رانيا أول ما سمعت كلامه، ابتسامة النصر والشماتة ظهرت على وشها، وسندت راسها على كتفه بدلع وهي بتبص لي من فوق لتحت.
منير كمل كلامه بمنتهى البرود وجفاف القلب:
“آه مراتي.. وبنحب بعض. عشان كده لما بابا ضغط عليا إننا نتجوز مقابل إدارة الشركة، أنا وافقت عشان الشركة وبس، وشرطت عليه الجواز يكون على الضيق ومحدش يعرف.. لأن حياتي الحقيقية ومستقبلي هنا مع رانيا. إنتي مجرد حبر على ورق عشان البيزنس يكمل.”
حسيت إن كرامتي اتمحت في لحظة، وإن كل أمل كنت ببنيه انهار تحت رجليهم.
قسيت ملامحي وسط دموعي اللي كانت بتغلي على وشي، وحاولت أجمع شتات نفسي المكسورة قدام نظرات الشماتة اللي في عين رانيا. بصيت له وكنت لسه هنطق، بس هو رفع إيده وبتر كلامي قبل ما أقوله، وسند كوعه على مكتبه وهو لسه محاوط رانيا، وقال بنبرة خالية من أي رحمة:
“وفري على نفسك الكلام والتهديد، عشان تبقي فاهمة راسك من رجليكي.. الشركة كلها هنا عارفة إن رانيا مراتي، ومحدش يعرفك إنتي أصلاً. من هنا ورايح، اتعاملي في المكان ده بالمبدأ ده. إنتي موظفة وبس، ورانيا هي الهانم اللي كلامها يمشى عليكي وعلى الكل.”
الكلمات كانت بتدخل في قلبي زي الخناجر، كنت واقفه مش قادرة أستوعب كمية الندالة والترتيب اللي رتبوه ورا ضهري وضهر عمي.
منير كمل وهو بيبتسم بنص ابتسامة مستفزة:
“جوازنا هيفضل سر، ومحدش هيعرف عنه حاجة لحد ما ييجي الوقت المناسب وأطلقك.. ساعتها هتخرجي من حياتنا زي ما دخلتيها، لا ليكي حق عندي ولا عند رانيا. فـ احسن لك تقبلي بالوضع ده وتمشي اللعب زي ما أنا عايز، عشان المركب تمشي وماتغرقش بيكي لوحدك.”
رانيا ضحكت بصوت واطي ودفنت وشها في رقابته بدلع، كأنها بتأكد لي إنها كسبت الجولة الأولى والشركة والجواز، وإني بقيت مجرد عروسة خشبية في لعبة ماليش فيها أي ذنب.
بصيت لهم والضحكة بتاعتها كانت بتطحن في قلبي، الصوت طالع مستفز زي فحيح الأفاعي. الدنيا اسودت في عيني، وكنت حاسة إن الحيطان بتضيق عليا والنفس مش راضي يدخل صدري. بصيت لمنير، للبرود اللي في عينيه، للراحة اللي بيتكلم بيها كأنه مش لسه دابح كرامتي من الوريد للوريد.
رجعت خطوة لورا، وعيني بتتنقل بينه وبين رانيا اللي كانت بتبص لي بنظرة انتصار مريض، كأنها بتقول لي: “الشركة دي بتاعتي، والراجل ده بتاعي، وإنتي ولا حاجة”.
جمعت كل ذرة قوة باقية فيا، ومسحت دموعي بعنف. مش هسيبهم يشوفوا انكساري أكتر من كده. ووطيت الأرض، لميت الورق اللي اتبعثر من الملف بـإيد بتترعش، بس النظرة اللي في عيني كانت بدأت تتحول من صدمة لـغل وغضب أعمى. وقفت وطوحت الملف على مكتبه بكل قوتي لدرجة إن رانيا اتخضت واتفزعت من مكانها.
بصيت له وقولت بصوت متحشرج بس قوي، طالع من وسط مأساة قلبي:
“المركب اللي بتتكلم عليها دي يا منير.. مش أنا اللي هغرق فيها لوحدي. إذا كنت فاكر إنك ذكي ولعبتها صح، فـ إنت غبي.. غبي لدرجة إنك مأمنتش ضهرك من عمي.”
ضحك بسخرية وهو بيعدل قعدته
“أعلى ما في خيلك اركبيه يا بنت عمي. بابا ملوش كلمة عليا خلاص، الإدارة وبقت في إيدي، والورق كله معايا. هتروحي تقوليله إيه؟ منير متجوز؟ هيقولك وإيه يعني.. الراجل يتجوز أربعة، طالما مصلحة الشغل ماشية.
رانيا ساندت إيدها على المكتب وقالت بنبرة كلها سم:
“يا حبيبتي وفري مجهودك.. منير مش صغير عشان يخاف من باباه، وبعدين إنتي مشوفتيش نفسك في المراية؟ مين دي اللي تتساوى بيا؟ إنتي جيتي هنا بـ كارت توصية، إنما أنا هنا بـ حبه.
الكلام كان بيحرق، بس خلاص، مابقاش فيا مكان لجرح جديد. سبتهم واقفين والضحكة لسه على وشهم، ولفيت ضهري وخرجت. رزعت الباب ورايا بكل ما أوتيت من قوة. مشيت في الممر والعيون كلها بدأت تلتفت عليا، الموظفين اللي منير قال إنهم عارفين إن رانيا مراته.. كانوا بيبصوا لي بنظرات تساؤل، نظرات شفقة على الموظفة الجديدة اللي شكلها اتهزأت في مكتب المدير.
دخلت الحمام، قفلت الباب عليّا وبدأت أتنفس بسرعة. فتحت الحنفية وغسلت وشي بمية ساقعة عشان أطفي النار اللي قايدة في راسي. بصيت لنفسي في المراية.. الضعف ده مش هيجيب حقي، والدموع دي مش هترجع كرامتي اللي اتداست تحت رجلين رانيا ومنير.
منير وافق على الجواز عشان الإدارة.. وعمي ضغط عليه عشان فاكر إن ده اللي هيصلحه ويحافظ على ورث العيلة. يعني نقطة ضعف منير هي الكرسي اللي قاعد عليه ده.
طلعت تليفوني من الشنطة وإيدي لسه بتترعش، بس المرة دي من الغيظ مش من الخوف. دورت على رقم عمي.. الراجل اللي فاكر إنه عمل صح وعمّق روابط العيلة. كنت لسه هضغط على زرار الاتصال، بس صباعي وقف في آخر لحظة.
لا.. المكالمة دي مش هتعمل حاجة. عمي لو عرف دلوقتي، منير هيكدب، وهيقول إنها نزوة أو هيخبي رانيا، وهيطلعني أنا النكدية اللي بتبوظ الجوازة من أولها والشركة هتفضل في إيده. لازم العبها صح.. لازم أهد المعبد ده على دماغهم هما الاتنين، وبنفس البرود اللي وريهوني.
مسحت وشي بالمنديل، وخرجت من الحمام، رافعة راسي، وبخطوات ثابتة رجعت لمكتبي. رانيا كانت بتعدي من الممر، بصت لي بابتسامة صفرا وهي شايلة كباية قهوة ورايحة لمكتب منير تاني. وقفت قدامها، وبكل ثبات وثقة قولت لها:
“أنا طالعة لـ عمي البيت يا رانيا.. أصل منير قالي إنك شاطرة قوي في الشغل، وقولت لازم أشكر عمي إنه اختارلي مكان فيه كفاءات زيك.. جهزي نفسك، عشان اللعب الحقيقي لسه مبدأش.”
وش رانيا اتقلب في ثانية والابتسامة اختفت، وأنا سبتها واقفة مكانها ودخلت لمكتبي، بجهز للخطوة الجاية.. الخطوة اللي هتدمر منير والكرسي بتاعي.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *