انا وسلفتى ٤
حكايات رومانى مكرم
عبير بلعت ريقها برعب وهزت رأسها بسرعة من غير ما تنطق، وحماتي فوزية حطت إيدها على خدها المفروم وقالت بصوت واطي ومكسور: «خلاص يا بنتي.. حقك علينا، والبت مريم من هنا ورايح في عيوننا ومحدش هيقدر يمس طرفها، إحنا أهل برضه والمسامح كريم.»
فاروق بص لأخواتي وقال بصوت مخنوق: «حقكم عليا يا رجالة، الشيطان دخل بينا والصلح خير، ومحمود أخويا الكبير والبيت بيته.»
الحاج عبد الستار قام وقف وقال: «على بركة الله، نفتح صفحة جديدة، وفاروق وهيصلح باب شقة أخوه ويرد اعتبار مراته بـ دبيحة تتذبح على عتبة البيت والكل ياكل منها، وبنت الأصول حقها وصلها.»
أخواتي وأولاد عمي سلموا على محمود وأعمامه، وأحمد أخويا طبطب على كتفي وقالي: «رفعنا راسنا بيكي يا خيتي، والبيت ده خلاص بقيتِ سِتّه.»
لكن وأنا طالعة السلم ورافعة راسي، ولمحت النظرة المخفية في عين عبير وهي بتبص لحماتي، عرفت إن الصلح ده مجرد هُدنة، وإن النفوس الشايلة مش بتصفى في يوم وليلة.. واللّي جاي لسه فيه كلام تاني.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم تابعو
الجزء التاسع (قبل الأخير):
مرت الأيام بعد قعدة الصلح الكبيرة، والبيت هدي تماماً، بس الهداوة المرة دي مكنتش خوف ورعب وبس، كانت بداية لـ نبتة جديدة من المحبة والندم الحقيقي. الكبار لما مشيوا، والباب الجديد لشقفتي ركب، وفاروق دبح الذبيحة وفّق شروط الصلح ووزعها على الغلابة وبأيده طلع لينا نصيبنا لغاية فوق، النفوس بدأت تلين، والدم الحامي بدأ يبرد ويفوق لأصله.
في يوم، كُنت قاعدة في شقتي بحضر عشا خفيف لمحمود اللي قعد معايا أسبوعين أجازة عشان يطمن علينا قبل ما يسافر تاني. سمِعت خبطة خفيفة وودية جداً على الباب، خبطة مفيهاش الرعب بتاع زمان. فتحت الباب، لقيت عبير واقفة، وشها لسه فيه علامات خفيفة بس عينيها كانت مليانة كسوف وندم. كانت شايلة في إيدها صينية عليها فطير مشلتت سخن وعسل ونحل، وبصت في الأرض وقالت بصوت واطي ومخنوق بالدموع:
* «تسمحي لي أدخل يا أم مريم؟»
وسعت لها الباب ودخلت. عبير حطت الصينية على الطربيزة، وفجأة لفت ومسكت إيديا والدموع نزلت على خدها وقالت:
* «والله العظيم أنا ندمانة يا خيتي.. الشيطان عَمى عيني، والغيرة والحقد كانوا ماليين قلبي عشان محمود ربنا كارمه بره. أنا كُنت قاسية على البت مريم وهي ملهاش ذنب، ولمّا جيتي خدي حقك مني، أنا استاهل كُل اللي جرى لي.. بس وحياة غلاوة محمود عندك سامحيني، أنا مش عايزة نعيش في نكد وخوف من بعض، إحنا ملناش غير بعض في البيت ده لما الرجالة بتغيب.»