مراتى بتشتغل ٢
كامله
ـ تمضي على “إقرار إعسار وشغل باليومية” في المصنع بتاعها.. بس مش مشرف. هترجع المصنع تاني يا أحمد.. بس كعامل نظافة، تشيل التراب اللي بيطلع من المكن اللي مرتك بقت صاحبته، وتعيش بمرتب عامل بسيط، وكل شهر يتخصم نص مرتبك لتسديد بقية التعويضات اللي عليكي للمصنع.. وتفضل تحت عينها، تشوفها كل يوم وهي فوق وإنت تحت.. ده شرطها عشان التنازل، قدامك ساعة تفكر: يا الإقرار.. يا السجن المركزي.
الشرط كان دبح لكبريائي، كان مفرمة لكرامتي. أرجع المصنع اللي كنت بأمر وبنهي فيه، المصنع اللي مراتي كانت شغالة فيه وأنا بتمنظر عليها بوظيفتي، أرجعه بمكنسة وجاروف؟!
بصيت للكلبش اللي في إيدي، وافتكرت أمي وأختي اللي ملهمش لقمة عيش، وافتكرت إن السجن معناه ضياع ملوش قومة. مسكت القلم وإيدي بتترعش.. ومضيت على الإقرار.
بعد يومين، كنت واقف على بوابة المصنع الساعة 7 الصبح. البرد قارس، ولابس لبس عمال النظافة الأزرق. العمال القدام اللي كانوا بيخافوا من نظرة عيني، كانوا بيبصولي بنظرات ميكس بين الشفقة والشماتة. اللي يرمي ورقة على الأرض ويقولي “نظف هنا يا أحمد”، واللي يتودك عليا ويسألني عن أحوالي بسخرية.
وفي تمام الساعة 9 الصبح، زمرت سرينة المصنع.. العربية السودا الفخمة دخلت.
وقفت على جنب، ماسك المكنسة في إيدي، والتراب مالي وشي. العربية وقفت قدام مبنى الإدارة، ونزل السواق فتح الباب.
نزلت منى.. كانت زي الملكة. لابسة طقم رسمي أبيض في منتهى الأناقة، ونظارة شمس سودا. وهي ماشية في اتجاه المكتب، وقفت فجأة.. وبصت ناحيتي.
خلعت النظارة بالراحة.. عيني جت في عينها. مكنش في عينيها شماتة، كان فيه حاجة أصعب بكتير.. كان فيه “عدم اهتمام”. كأنها باصة لحيطة، أو لكرسي، كأن أحمد اللي ضحت عشانه وشقيت عشانه ملوش وجود في ذاكرتها أصلاً.
شاورت للمشرف الجديد بتاع العمال وقالتله بصوت مسموع للكل:
ـ الأرضية دي مش نظيفة ليه يا متر؟ خلوا العمال يشدوا حيلهم، المصنع ده مبيقبلش بالإهمال.
ومشيت.. دخلت مكتبها المكيف، وسابتني واقف في الشمس والتراب، حاسس إن روحي بتتسحب مني.
مرت شهور وأنا على الحال ده.. بدوق الذل كل يوم نقطة نقطة. أمي حست بالذنب وجالها جلطة خفيفة قعدتها في السرير، وبقيت بشتغل الصبح في المصنع، وبالليل بلف على رجليا أبيع مناديل في الإشارات عشان أجيب تمن علاجها وتمن لقمة لأختي.
وفي ليلة من الليالي، وأنا واقف في الإشارة، المطر كان بينزل بغزارة والدنيا كحل. عربية فخمة وقفت في الإشارة.. جريت عليها عشان أبيع باكو مناديل. خبطت على الإزاز.. الإزاز نزل.