مراتى بتشتغل ٢
كامله
لمينا هدمتنا في شنط بائسة، وأمي بتبكي دم على جدران الشقة اللي كانت بتتحكم فيها. نزلنا السلم واحنا مش عارفين هنروح فين، واستأجرنا أوضة وصالة ضيقة في منطقة عشوائية، في مكان أبعد ما يكون عن المنظر اللي أمي كانت بتموت عليه.
بعد شهر من العذاب ده، وفي يوم حر وخانق، كنت ماشي في الشارع بدور على أي شغلانة، حتى لو عامل بسيط في أي ورشة، لأن اسمي بقى معروف في السوق ومحدش راضي يشغلني بعد اللي حصل في المصنع.
وفجأة، شفت زحمة قدام قاعة مناسبات قريبة من المنطقة الراقية. وقفت أتفرج من بعيد زي أي غريب. كانت حفلة تكريم ضخمة لرجال وسيدات الأعمال، وشاشات العرض الكبيرة بره القاعة عارضة صور المكرمين.
وفجأة، ظهرت صورتها..
“المهندسة منى عبد الله.. صاحبة مجموعة مصانع النسيج، والأكثر تأثيراً في دعم العمالة النسائية”.
كانت واقفة على المسرح، ماسكة الجايزة، ولابسة فستان أسود غاية في الأناقة والشياكة، مفيش في إيديها أي أثر للتعب أو الشقا، وشها منور بابتسامة ثقة وكرامة. المذيع سألها في المايك اللي صوته كان مالي الشارع:
— مدام منى، إيه السر وراء نجاحك السريع ده وإصرارك على النجاح بعد وفاة والدك؟
منى خدت النفس، وبصت للكاميرا كأنها باصة في عيني أنا بالذات وهي وسط الشارع، وقالت بقوة هزت قلبي:
— السر هو إني اتعلمت درس غالي جداً.. اتعلمت إن الناس اللي بتشوف الهدوم والمظاهر، هي أصغر بكتير من إننا نعيش عشانهم. وشقايا وتعب إيدي القديم هو اللي خلاني أعرف قيمة نفسي وقيمة كل عامل في مصنعي. أنا مدين بالفضل لكل باب اتقفل في وشي، لأنه هو اللي فتحلي أبواب الدنيا دي كلها.
الناس كلها صقفت، وأنا وقفت وسط التراب في الشارع، دموعي نازلة بقهره، هدومي دبلانة، وجيبي فاضي. شفت الست اللي كانت ملكي، الست اللي كانت بتصحى الفجر عشان تسويلي لقمتي وتغسل هدومي، الست اللي بعتها برخيص.. وهي دلوقتي بتتصدر شاشات التلفزيون والكل بيعملها ألف حساب.
رجعت الأوضة الضيقة، لقيت أمي قاعدة على حصير ومكسورة، وأختي بتندب حظها. قعدت على الأرض وحطيت راسي بين إيديا، وعرفت إن منى لسه مخدتش حقها كاملاً.. الورق اللي في جيبي والمحاضر كانت بتقول إنها لسه بتلف الحبل حوالين رقبتي، وإن فيه خطوة تالتة وأخيرة هتدمر اللي باقي من اسمي تماماً.
الخطوة التالتة بدأت تظهر ملامحها بعد أسبوع واحد من حفلة التكريم. كنت فاكر إن طردنا من الشقة وأخذها تمن القضايا هو آخر محطة في انتقام منى، بس أنا كنت لسه مش فاهم منى الجديدة، الست اللي اتظلمت وقررت تدوس على اللي ظلموها بالقانون والأصول ومفيش في قلبها ذرة رحمة عميا.