متجوز من ٨ سنين ١
حكايات رومانى مكرم
#الكاتب_رومانى_مكرم
بصت لي بذهول والصدمة لجمتها، لسه هتفتح بقها عشان تتكلم، رحت مقاطعها وأنا بخبط على الدولاب بقبضة إيدي: “ولحد ما الفلوس دي تيجي، رجلك مت عتبش بيت أبوكي، وعلاقتك بأهلك دول تتـقطع خالص! لا تليفون، لا زيارة، ولا سلام لله حتى.
وشها اتقلب وبقى أبيض زي الأموات، وعينيها برقت وهي شايفة الوش التاني لأحمد اللي عمرها ما تخيلت إنه موجود..
وشها اتقلب وبقى أبيض زي الأموات، وعينيها برقت وهي شايفة الوش التاني لأحمد اللي عمرها ما تخيلت إنه موجود. فضلت واقفة مكانها دقايق مذهولة، مش مستوعبة إن الرعب ده طالع من الراجل الهادي اللي عاشت معاه تمن سنين.
فجأة، الصدمة اللي كانت ملجماها تحولت لبركان غضب. عينيها لمعت بدموع حابساها، وصوتها طلع مخنوق بس قوي: “ترجع؟ فلوس إيه دي اللي ترجع يا أحمد؟! الفلوس دي كانت من عرق جبيني، مش من جيبك! أنا عمري ما قصرت في بيتك، ولا عيالك ناموا جعانين. أبويا اللي أنت عايزني أقاطعه ده، هو اللي عملني! هو اللي باع حتة الأرض الوحيدة اللي حيلته عشان يدفع لي مصاريف الجامعة ويوصلني للمكانة دي! وأخواتي دول لحمي.. عايزني أسيبهم يضيعوا عشان ترتاح؟!”
ضحكت بمرارة وصوتي طلع أعلى: “لحمك؟ وأنا وعيالك كنا إيه؟ مسرحية؟ كنتي بتيجي تمثلي عليا دور الأصيلة الصابرة وتديني النص وتخبي النص! الثقة اللي اتهدت دي تمنها كام؟ الغفلقة دي تمنها كام؟”
قربت مني خطوة، والتحدي في عينيها زاد: “أنا مكنتش بمثل! أنا كنت بساعد أبويا اللي كبر وعجز ومبقاش قادر على مصاريف التعليم. لو كنت قلت لك، كنت هترفض وتعمل مشكلة، وأنا مكنتش هتحمل أشوف أبويا محتاج وأنا معايا! لكن تقطع علاقتي بأهلي؟ وترجع فلوس هما صرفوها على لقمة العيش والتعليم؟ ده في الحلم يا أحمد.. أعلى ما في خيلك اركبه!”
الكلام كان زي البنزين اللي اترش على النار اللي جوايا. لفت ضهري وخرجت للصالة وأنا مش شايف قدامي، رقعت باب الشقة ورايا ونزلت في الشوارع الفاضية. كنت بمشي والأسئلة بتاكل في عقلي.. تمن سنين من عمري ضاعوا مع واحدة كانت بتدير حياتين في نفس الوقت؟ تمن سنين وأنا بحسب القرش على نفسي عشان نشتري شقة تمليك للعيال، وهي بتشيل تلاتة وأربعة آلاف جنيه كل شهر توديهم هناك من ورايا؟
فضلت ألف في الشوارع لحد الفجر، عقلي مش ملاحق على الأفكار. لما رجعت الشقة، كانت الدنيا هس هس. دخلت أوضة العيال، لقيتهم نايمين في سلام.. غطيتهم وأنا قلبي بيتعصر عليهم. روحت على الصالة وقعدت على الكنبة، مستني الصبح يطلع عشان أشوف آخر المأساة دي إيه.