حكايه عمار ٢

ملك ابراهيم

 

عمار كان عمل شاي وحطه على الترابيزة. شايفها واقفة مترددة.

“تعالي اشربي شاي. مش هكلمك في حاجة النهاردة. نامي وبكرة يحلها ربنا.”

 

قعدت قصاده. مسكت كوباية الشاي بإيديها الاتنين. الدفا سرى فيها.

سكتوا دقيقة. بس الفضول كان هيقتل عمار.

 

“جميلة…”

“نعم؟”

“أمي… عملت فيكِ كده ليه؟” ساب الكوباية. “أنا لازم أفهم. أمي قاسية آه، بس مش للدرجة دي. مش مع بنت أختها.”

 

جميلة بصت في الشاي. الدموع رجعت تاني.

“عشان… عشان بتكره أمي. طول عمرها بتكرهها.”

 

عمار اتعدل في قعدته: “بتكره خالتي؟ ليه؟”

“عشان أبويا.” رفعت عينيها له. “عشان أبويا، اللي هو خالك، كان هيتجوز أمي الأول.”

 

الكوباية كانت هتقع من إيد عمار.

“إيه؟”

“أيوه.” هزت راسها. “ماما حكت لي قبل ما تموت. خالك الله يرحمه كان بيحب ماما، وراح خطبها. بس جدي رفض عشان كان فقير وقتها. بعدها بسنة، مدام نيفين هي اللي راحت اتقدمت له. عيلة غنية، وأبوها له اسم. خالك اتجوزها صالونات عشان يرضي أبوه.”

 

عمار ساند ضهره للكنبة كأنه مضروب على دماغه. عمره ما سمع الحكاية دي.

“وبعدين؟”

“وبعدين خالك قابل ماما صدفة بعد جوازه بسنتين. كان لسه بيحبها. واتجوزوا.” بلعت ريقها. “مدام نيفين عرفت. ومن يومها وهي شايلة من أمي. بتقول إنها خطافة رجالة. لما أبويا مات، ولما ماما بقت لوحدها ومريضة… مدام نيفين قالت دي فرصتها تشفي غليلها. تشفيه فيا أنا.”

 

الصمت نزل تقيل. عمار قام وقف راح للشباك. فتحه. هوا الفجر دخل. كان حاسس إنه بيتخنق.

“يعني أمي… بتخلص تار قديم. تار من 25 سنة… فيكِ أنتي؟”

 

“أيوه.” قالتها وهي بتمسح دمعة. “قالت لي أول يوم: أمك خدت مني جوزي، وأنا هاخد منك كرامتك.”

 

عمار ضرب كف على كف. لف لها وعينه فيها نار وألم.

“وأبويا؟ أبويا كان عارف؟”

“خالك الله يرحمه مات وأنا صغيرة. مظنش كان يعرف حاجة عن اللي بيحصل.”

 

عمار رجع قعد قصادها. لأول مرة يحس إنه مش عارف أمه. الست اللي ربته.

“جميلة… اسمعيني كويس.” مسك كوباية الشاي الباردة بتاعتها وحطها في إيديها تاني. “أقسم بالله، اللي حصل لك في بيتنا ده، مش هيتكرر تاني. ولا كريم هيقربلك، ولا أمي هتشوف ضفرك.”

 

“هتعمل إيه؟”

“هاخد حقك. وحق أمك.” عينه كانت بتلمع في الضلمة. “بس أوعديني، متخافيش مني. أنا مش زيهم. أنتي بنت عمتي… يعني لحمي ودمي.”

 

جميلة بصت له. الخوف اللي كان مالي عينيها من ساعة بدأ يهدى سنة. لأول مرة من أسبوعين… تحس بالأمان.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *