امبارح بليل ٢
كامله
عدى يومين، وتليفوني مبطلش رن. كريم، وأخواته، وأعمامه.. مصر كلها بتكلمني. “عشان خاطر العيش والملح”، “الست الأصيلة بتبان وقت الشدة”، “بلاش تخربي بيت الست الكبيرة وهي في السن ده في السجن”.
كنت برد بكلمة واحدة بس: “اللي مدش إيده على شقايا، مكنش زمانه في الشدة دي.. الكلام في المحكمة.”
في اليوم الثالث بالليل، كنت قاعدة في شقتي بقرا كتاب، وبشرب شاي بقرنفل زي ما كنت بحب زمان قبل ما كريم يمنعه في البيت عشان ريحته. فجأة، سمعت خبط على الباب.. خبط هادي، مكسور، مفيش فيه العافية بتاعة زمان.
قمت وقفت ورا الباب وبصيت من العين السحرية.
كان كريم.. بس مكنش كريم اللي أعرفه. كان دبلان، دقنه طلعت، وهدومه متبهدلة، وفي إيده كيس أسود صغير.
فتحت الباب بس سبت السلسلة الحديد مقفولة. بصيت له من فتحة الباب وقلت له: “عايز إيه يا كريم؟ مش أنا قلت لك رجلك متبانش هنا؟”
كريم أول ما شافني، عينه لمعت بالدموع، ورفع الكيس الصغير وقال بصوت بيموت: “رانيا.. أنا مش جاي أتخانق، ولا جاي أطلب فلوس. أنا جاي أرجع لك دول.. دول حاجتك اللي كنتِ شايلاها في الدولاب ونسيتيها وأنا بلم حاجتي.”
بصيت على الكيس بشك، وقلت له: “سيب الكيس على الأرض وانزل.. وأنا هاخده.”
كريم ساب الكيس فعلاً، وبص لي نظرة أخيرة وقال: “أمي هتحول للمحاكمة العاجلة الأسبوع الجاي يا رانيا.. والمحامي قال مفيش حل غير إنك تيجي تقري في النيابة إنك أنتِ اللي اديتيها الكارت برضاكِ.. أرجوكِ، أنا مش عايز منك مليم، ولا عايز الشقة، أنا هطلقك في الدقيقة اللي توافقي فيها تنقذي أمي.”
قبل ما أرد عليه، تليفوني اتهز في جيب الجاكت برسالة جديدة. سحبت التليفون وبصيت فيه.. الرسالة كانت من رقم غريب تاني، ومكتوب فيها جملة واحدة خلت قلبي يقف لثواني:
“فاكرة إنك كده كسبتِ؟ كريم مكنش شغال لوحده.. والمليون وربع جنيه بتوعك لسه ليهم أصحاب تانيين مستنينهم.”
رفعت عيني بسرعة لكريم وهو نازل على السلم، وكنت لسه هنده عليه.. بس فجأة، أنوار السلم كلها قطعت، والضلمة حلت على المكان كله.
الضلمة اللي حلت فجأة مكنتش ضلمة عادية، كانت تقيلة لدرجة إن خلتني مش سامعة حتى صوت خطوات كريم وهو نازل. فضلت واقفة ورا الباب، ماسكة التليفون ونوره عاكس على وشي، وقلبي يدق زي طبول الحرب.
الرسالة كانت لسه قدام عينيا: **”كريم مكنش شغال لوحده.. والمليون وربع جنيه بتوعك لسه ليهم أصحاب تانيين مستنينهم.”**
سحبت نفسي براحة، قفلت الباب الخشب وفوقه الترباس، ورجعت خطوتين لورا في ضلمة الشقة. سحبت الكيس الأسود اللي كريم سابه من فتحة الباب قبل ما أقفل. فتحته بنور التليفون.. مكنش فيه غير علبة قطيفة قديمة بتاعة دبلتي، ومعاها نوت بوك (مفكرة) صغيرة جلد بني، مكنتش بتاعتي.. دي كانت بتاعة كريم!