متجوزه ،١

رومانى مكرم

لم ترد مروة، بل اكتفت بابتسامة غامضة، أومأت برأسها ودخلت إلى المطبخ.

في تمام الخامسة، رن جرس الباب بعنف كالعادة. فتح إبراهيم وهو يرحب بأهله بصوت جهوري:

* “يا مرحب يا مرحب! نورتوا يا أسياد البيت، خطوة عزيزة يا أمي، اتفضل يا أبو نسب.”

دخلت الحماة وبناتها التلاتة وجوز أختهم، يجرون خلفهم جلابيبهم وضوضاءهم المعتادة. جلسوا في الصالون، ولم تمضِ دقيقتان حتى خرجت مروة تحمل صينية العصير، وقدمتها للجميع بابتسامة بشوشة وترحاب حار، لدرجة جعلت الحماة تنظر لبناتها بغمزة عين تعني “البنت انكسرت وخافت”.

قال إبراهيم بصوت آمر وهو يفرك يديه جوعًا:

* “يلا يا مروة، حطي الأكل بسرعة عشان الفخدة ما تبردش، وجوز أختي جاي من مشوار طويل.”

قالت مروة بنبرة هادئة وواضحة:

* “من عيني يا إبراهيم، دقيقة واحدة وكل حاجة تكون جاهزة.”

دخلت مروة المطبخ، وأغلقت الباب خلفها بنصف قفلة. لم تحمل الصواني إلى السفرة، بل أخرجت هاتفها المحمول وضغطت على زر الاتصال، وانتظرت لثانيتين ثم قالت بنبرة دافئة:

* “أيوة يا بابا.. حبيبي إنت فين؟ نزلتوا من التاكسي؟ طيب يا حبيبي، الشقة في الدور الثالث، إبراهيم مستنيكم على نار، أيوة هو اللي صمم يعزمكم المرة دي ويصالحكم، ده شاري لكم فخدة ضاني مخصوص ومقعد أهله مستنيينكم عشان نلم الشمل.. يلا مستنياكم.”

أغلقت مروة الهاتف، وخرجت إلى الصالة وهي تحمل صينية أولى عليها أطباق الشوربة الساخنة. في تلك اللحظة بالذات، رن جرس الباب مرة أخرى.

تطلع إبراهيم إلى الباب باستغراب وقال:

* “مين اللي جاي في وقت زي ده؟ هو في حد تاني مع السباك أو البواب؟”

قالت مروة وهي تضع الشوربة على السفرة ببرود تام:

* “روح افتح يا إبراهيم، دول الضيوف الغاليين اللي الفخدة الضاني معموله علشانهم.”

اتجه إبراهيم نحو الباب وهو يعقد حاجبيه، وفتح القفل، ليتجمد في مكانه كأنه ضرب بصاعقة كهربائية.

على عتبة الباب، كان يقف والد مروة، الرجل المسن الوقور، وهو يحمل في يده علبة من الحلويات الفاخرة، وبجانبه والدتها التي ترتدي ثوب الخروج وتبتسم بوجه بشوش، وخلفهما شقيق مروة الأكبر.

قال والد مروة بنبرة طيبة:

* “السلام عليكم يا بني.. مروة كلمتنا وقالت لي إنك حلف ميت يمين ما ناكل لقمة برة بيتك إلا الفخدة الضاني النهاردة، وإنك زعلان من كلام الأسبوع اللي فات وعايز تصالحني.. الله يجبر بخاطرك يا بني، طول عمرك أصيل.”

في تلك اللحظة، خرجت الحماة وبناتها إلى طرقة الصالة ليروا من القادم، وتوقفت الكلمات في حلق إبراهيم الذي اسودّ وجهه وتغيرت ملامحه، والتفت بنظرة قاتلة نحو مروة الواقفة في نهاية الطرقة، وهي تمسك بخرطوم الشيشة الخاص به في يدها، وتبتسم ببرود لا مثيل له، كأنها تقول له: “لقد بدأت اللعبة الآن”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *