متجوزه بقالى سنه وجوزى كل اسبوع بيعزم امه واخواته عندنا علي العشاء وهما ساكنين معايا في نفس الشارع وكل عزومه اكل مختلف وهما عمرهم ما عزمونا ولم قولتله اعزم بابا وماما رفض وقال انا مش فاتح مائده الرحمان أنا مروة، بقالي سنة واحدة متجوزة إبراهيم. سنة كاملة ماشوفتش فيها يوم حد رايق. كل خميس السيناريو يتكرر كأنه شريط كاسيت ومملول؛ الساعة تدق خمسة العصر، ألاقي جرس الباب بيرن، وتدخل حماتي وبناتها التلاتة، كأنهم جيش داخل يفتح عكا. وهما أصلاً ساكنين في نفس الشارع، يعني بيننا وبينهم خطوتين! المشكلة مش في لمتهم، المشكلة إن إبراهيم كل أسبوع يأمرني: "عايز لقمة تشرف يا مروة، مش عايزين كلام من بتاع كل مرة، المرة دي اعملي بط ورقاق، الأسبوع الجاي كباب حلة وممبار". ونازل طلبات وفلوس بتتفصص على الأكل، وأنا ضهري يتأطم في المطبخ من النجمة عشان أخلص الوليمة. واللي يحرق الدم بجد؟ إنهم بعد ما يخلصوا أكل، يمسحوا إيديهم في الجلابيب ويقوموا، ولا واحدة فيهم تفكر ترفع طبق معايا، ولا حتى يقولوا "تسلم إيدك يا مروة". والأدهى والأمر، إن بقالنا سنة كاملة أهو، وعمرهم ما قالوا لنا "تعالوا اشربوا كوباية شاي حتى في بيتنا"! في يوم، كنت واقفة غاسلة مواعين العزومة لحد ما رجلي ورمت، وإبراهيم قاعد برة حاطط رجل على رجل وبيشرب الشيشة ومزاج العال العال بعد ما أهله مشيوا ومبسوطين. دخلت عليه المطبخ وكنت جايبة آخري، قعدت على الكرسي وقولتله بنبرة هادية بس مليانة عتاب: * "بقولك إيه يا إبراهيم.. إحنا بقالنا سنة أهو، وأهلك منورنا كل أسبوع وعلى راسي. بس مش حق بابا وماما هما كمان ييجوا يتغدوا معانا مرة؟ ده حتى هما وحشوني ونفسي نلم الشمل في بيتنا." إبراهيم نفخ دخان الشيشة في الهوا، وبصلي ببرود ونظرة استهزاء وقاللي: * "نعام ياختي؟ أعزم أبوكي وأمك؟ ليه إن شاء الله؟ هو أنا فاتحها مائدة رحمن؟!" الكلمة نزلت عليا زي المية المغلية. دموعي تجمعت في عيني وقلبي اتعصر من الوجع. أبويا وأمي اللي طفحوا الدم عشان يجوزوني، وبابا اللي مااستخسرش فيا قرش، يتقال عليهم كده؟ وقفت وكنت برتعش من الغضب وقولتله: * "مائدة رحمن يا إبراهيم؟ وأهلك اللي بياكلوا هنا بالشيء الفلاني كل أسبوع ومابنشفش منهم لقمة برة دول يبقوا إيه؟" إبراهيم وشه اتغير، وعينه برقت، وقام وقف ورمى لي اليمين إنه لو جيت سيرة أهله تاني على لساني، أو لو فكرت أعزم حد من طرفي، هيكون ليا تصرف تاني خالص معايا، وساب البيت ونزل قفل الباب وراه برزعة هزت الحيطة. فضلت قاعدة في الأرض أعيط لحد ما الفجر أذن. نمت مكاني من كتر التعب والقهر. تاني يوم الصبح، إبراهيم رجع كأن مفيش حاجة حصلت، وفات الأسبوع وجه يوم الأربع بالليل. لقيته داخل عليا المطبخ وحاطط شنط مليانة لحمة وفراخ وخضار، وقاللي بنبرة آمرة: * "بكرة أمي وأخواتي جايين، وعايزك تعملي ليمون بالنعناع فريش أول ما يدخلوا، وتجهزي فخدة ضاني في الفرن عشان جوز أختي جاي معاهم المرة دي. مش عايز فضايح." بصيت للشنط، وبصيت لوشه اللي كله جبروت، وحسيت بنار بتغلي جوايا.. بس المرة دي ما عيطتش، ولا اتخانقت. ابتسمت ابتسامة غريبة وقولتله: * "حاضر يا إبراهيم.. من عيني الجوز، هعملهم عزومة عمرهم ما هينسوها في حياتهم كلها." #الكاتب_رومانى_مكرم إبراهيم اتبسط وافتكرني انكسرت وخوفت من تهديده. بس اللي ماكانش يعرفه، إن دماغي في اللحظة دي كانت بتخطط لحاجة تانية خالص.. حاجة هتقلب التربيزة على الكل بكرة الساعة خمسة العصر! ## الجزء الثاني: ليلة الانقلاب بدم بارد خرج إبراهيم من المطبخ وهو يصفر بزهو، ظنًا منه أن كبرياءه قد انتصر وأن "العين الحمراء" التي أراها لمروة قد آتت أكلها. لم يلتفت خلفه ليرى نظراتها التي تحولت من انكسار الأمس إلى جمود غريب، كأنها تمثال رخامي حُسم أمره. وقفت مروة أمام جبل اللحوم والخضار، تلمست الفخدة الضاني بأصابع باردة وثابتة. لم تبكِ، ولم تفرك يدها قهرًا، بل بدأت العمل فورًا. غسلت اللحم، قطعت الخضار، وجهزت تتبيلة الفخدة الضاني بكل إتقان، مستخدمة أفضل بهاراتها، كأنها طاهية محترفة تعد طبقًا للملك. استمرت في العمل حتى ساعات الصباح الأولى، ولسانها صامت تمامًا، لكن عقلها كان يدير خطة محكمة كالساعة السويسرية، خطة لن تكسر فيها كلمة لإبراهيم، بل ستنفذها بالحرف الواحد.. ولكن بطريقتها الخاصة. في تمام الساعة الرابعة عصرًا من يوم الخميس، كان البيت يفوح برائحة الشواء والبهارات الزكية التي تسد عين الشمس. دخل إبراهيم الشقة، واستنشق الهواء بارتياح كبير، ورأى السفرة مغطاة بالمفارش الفاخرة، وعليها الأطباق والصواني مغطاة بورق الأولومنيوم، وبجانبها الأكواب الزجاجية الكبيرة مليئة بعصير الليمون بالنعناع الفريش ذي اللون الأخضر الزاهي. نظر إبراهيم إلى مروة التي كانت ترتدي عباءة أنيقة وتضع لمسات خفيفة من الزينة، فابتسم برضا وقال وهو يعدل ياقة قميصه: * "أيوا كده يا مروة.. هي دي الأصول، الرعب بيعلم الأدب برضه. جهزي نفسك بقى عشان خمس دقائق والجيش يوصل، وجوز أختي جاي وجوعان وعايز يشوف الهمة." لم ترد مروة، بل اكتفت بابتسامة غامضة، أومأت برأسها ودخلت إلى المطبخ. في تمام الخامسة، رن جرس الباب بعنف كالعادة. فتح إبراهيم وهو يرحب بأهله بصوت جهوري: * "يا مرحب يا مرحب! نورتوا يا أسياد البيت، خطوة عزيزة يا أمي، اتفضل يا أبو نسب." دخلت الحماة وبناتها التلاتة وجوز أختهم، يجرون خلفهم جلابيبهم وضوضاءهم المعتادة. جلسوا في الصالون، ولم تمضِ دقيقتان حتى خرجت مروة تحمل صينية العصير، وقدمتها للجميع بابتسامة بشوشة وترحاب حار، لدرجة جعلت الحماة تنظر لبناتها بغمزة عين تعني "البنت انكسرت وخافت". قال إبراهيم بصوت آمر وهو يفرك يديه جوعًا: * "يلا يا مروة، حطي الأكل بسرعة عشان الفخدة ما تبردش، وجوز أختي جاي من مشوار طويل." قالت مروة بنبرة هادئة وواضحة: * "من عيني يا إبراهيم، دقيقة واحدة وكل حاجة تكون جاهزة." دخلت مروة المطبخ، وأغلقت الباب خلفها بنصف قفلة. لم تحمل الصواني إلى السفرة، بل أخرجت هاتفها المحمول وضغطت على زر الاتصال، وانتظرت لثانيتين ثم قالت بنبرة دافئة: * "أيوة يا بابا.. حبيبي إنت فين؟ نزلتوا من التاكسي؟ طيب يا حبيبي، الشقة في الدور الثالث، إبراهيم مستنيكم على نار، أيوة هو اللي صمم يعزمكم المرة دي ويصالحكم، ده شاري لكم فخدة ضاني مخصوص ومقعد أهله مستنيينكم عشان نلم الشمل.. يلا مستنياكم." أغلقت مروة الهاتف، وخرجت إلى الصالة وهي تحمل صينية أولى عليها أطباق الشوربة الساخنة. في تلك اللحظة بالذات، رن جرس الباب مرة أخرى. تطلع إبراهيم إلى الباب باستغراب وقال: * "مين اللي جاي في وقت زي ده؟ هو في حد تاني مع السباك أو البواب؟" قالت مروة وهي تضع الشوربة على السفرة ببرود تام: * "روح افتح يا إبراهيم، دول الضيوف الغاليين اللي الفخدة الضاني معموله علشانهم." اتجه إبراهيم نحو الباب وهو يعقد حاجبيه، وفتح القفل، ليتجمد في مكانه كأنه ضرب بصاعقة كهربائية. على عتبة الباب، كان يقف والد مروة، الرجل المسن الوقور، وهو يحمل في يده علبة من الحلويات الفاخرة، وبجانبه والدتها التي ترتدي ثوب الخروج وتبتسم بوجه بشوش، وخلفهما شقيق مروة الأكبر. قال والد مروة بنبرة طيبة: * "السلام عليكم يا بني.. مروة كلمتنا وقالت لي إنك حلف ميت يمين ما ناكل لقمة برة بيتك إلا الفخدة الضاني النهاردة، وإنك زعلان من كلام الأسبوع اللي فات وعايز تصالحني.. الله يجبر بخاطرك يا بني، طول عمرك أصيل." في تلك اللحظة، خرجت الحماة وبناتها إلى طرقة الصالة ليروا من القادم، وتوقفت الكلمات في حلق إبراهيم الذي اسودّ وجهه وتغيرت ملامحه، والتفت بنظرة قاتلة نحو مروة الواقفة في نهاية الطرقة، وهي تمسك بخرطوم الشيشة الخاص به في يدها، وتبتسم ببرود لا مثيل له، كأنها تقول له: "لقد بدأت اللعبة الآن".