متجوزه بقالى سنه ٣

حكايات رومانى مكرم

شعر إبراهيم بالدم يغلي في عروقه، تملكته رغبة عارمة في الاندفاع نحوها وضربها، لكنه تذكر فجأة شقيقها الأكبر “أحمد” وبنيته القوية، وتذكر أن صاحب العقار رجل صارم وصديق لوالد مروة، وأن القانون في صفها تمامًا طالما العقد باسمها. انكسر جبروت إبراهيم في لحظة واحدة، وتحولت نظراته إلى انكسار وخزي.

انحنى على الأرض يجمع قمصانه وبنطلوناته بيدين ترتعشان، ووضعها داخل الحقيبة كيفما اتفق، ومروة واقفة فوق رأسه تتابع المشهد ببرود تام. سحب سحاب الحقيبة بعنف، ووقف ونظر إليها وعيونه حمراء من كثرة الغيظ المكبوت وقال:

* “ماشي يا مروة.. الشقة والفرش حلال عليكي، بس وحياة أمي لوريكي، والمحاكم بيننا، وقائمة المنقولات دي مش هتشوفي منها مسمار واحد!”

ضحكت مروة وقالت:

* “القائمة في الحفظ والصون عند المحامي من الصبح يا هيما.. يعني حتى هدومك اللي في الشنطة دي أنا سايباها لك كرم مني. يلا.. مع السلامة.”

جر إبراهيم حقيبته الثقيلة، وخطا نحو الباب بخطوات منكسرة، وخرج إلى السلم. وما إن تجاوز عتبة الشقة، حتى رمت مروة خلفه الحقيبة الأخرى التي كانت تحتوي على أحذيته ومتعلقاته الشخصية، وأغلقت الباب الخشبي الثقيل، ودارت المفتاح في القفل ثلاث دورات كاملة، ثم سحبت الترباس الحديدي.

في تلك اللحظة، ولأول مرة منذ سنة، تنفست مروة بعمق. أحست أن جبلًا كان جاسمًا على صدرها قد انزاح. سارت نحو الصالون، وجلست على الأريكة، ونظرت إلى الفوضى وبقايا العزومة على السفرة، ولم تعد تشعر بالتعب في رجليها.

وفي الأسفل، في الشارع.. كان إبراهيم يخرج من باب العمارة يجر حقيبته، ليتفاجأ بأمه وبناتها الثلاث يقفن في حلقة، ووجوههن مخطوفة ومذهولة، والشارع كله ينظر إليهم بعد أن سمعوا صياح مروة من الشباك.

تقدمت الحماة نحو ابنها وقالت بزهول:

* “جرى إيه يا إبراهيم؟ فين هدوم البت؟ وإيه الشنط اللي في إيدك دي؟!”

نظر إبراهيم إلى الأرض وقال بصوت مخنوق:

* “الشقة طلعت باسمها يا أمي.. وطردتني!”

لم تكد الحماة تفتح فمها لتصرخ، حتى انفتح شباك الدور الثالث، وخرجت منه مروة، وبيدها مكنسة بدأت تنفضها في الهواء وهي تنظر إليهم في الأسفل، وقالت بصوت مسموع للشارع كله:

* “يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. الشقة نظفت، والبيت رجع لأصحابه!”

لم يكن هذا نهاية المطاف، بل كانت مجرد البداية لمعركة جديدة بدأت خيوطها تتحرك في عقل الحماة التي قررت الانتقام، وفي عقل إبراهيم الذي شعر بالخزي أمام أهله وجيرانه.. وبدأت المؤامرة تأخذ مجرى آخر تمامًا في المساء.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *