نظر إبراهيم إلى شاشة هاتفه التي تضيء باسم "أمي"، ثم نظر إلى باب غرفة النوم حيث كانت مروة تقف وبيدها حقيبة ملابسه الفارغة، وعيناها ترميانه بنظرات صلبة لا تلين. كان صوت رنين الهاتف في صمت الصالة يشبه دقات ساعة تنازلية لانفجار وشيك. أجاب إبراهيم بصوت متحشرج يحاول إخفاء رعشته: * "أيوة يا أمي.. أيوة، وصلتوا؟" جاءه صوت أمه عبر السماعة حادًا، مرتفعًا وممتلئًا بالغل، لدرجة أن مروة سمعت كل كلمة وهي واقفة على بعد خطوات: * "وصلنا إيه يا فالح؟! إحنا لسه تحت بيتكم مروحناش! بقى حتة البت دي تعمل فينا كده يا إبراهيم؟ وتجيب أهلها يشاركونا في الأكل اللي إنت دافع دم قلبك فيه؟ وتلقح علينا كلام في الرايحة والجاية؟! طردتنا يا إبراهيم عيني عينك وأنت واقف زي اللوح ومستني لما نلم هدومنا ونمشي؟ لو ما جيتش حالا وطلقتها ورميت هدومها في الشارع، لا أنا أمك ولا أعرفك ليوم الدين!" بلع إبراهيم ريقه، ونظر إلى مروة التي لم يهتز لها جفن، بل ابتسمت بسخرية وأشارت له بسبابتها نحو الباب، وكأنها تستعجله الخروج. تنحنح إبراهيم وقال لأمه بنبرة حاول أن يجعلها جهورية: * "أمي.. امسحيها فيا أنا، أنا خلاص طلقتها حالا ووقعت اليمين!" صاحت أمه بتهليل وشماتة سمعتها أخواته اللاتي بدأن يزغردن في الشارع أسفل البلوف: * "عفارم عليك يا ابن بطني! هو ده ابني السبع اللي ميرضاش بالدنية! ارمي لها بقى حاجتها وخلّي أبوها ييجي يشيلها في قفص طماطم، وانزل لنا عشان نطلع شقتنا نقعد براحتنا!" هنا، لم تنتظر مروة. خطت خطوات سريعة ونزعت الهاتف من يد إبراهيم المذهول، ووضعته على مكبر الصوت، وصاحت بنبرة هزت أرجاء الشقة: * "اسمعي يا حماتي.. اسمعي كويس إنتي وبناتك والزغاريط اللي شغالة تحت دي! إبراهيم فعلاً طلقني، وبما إنه طلقني، والشقة دي إيجارها باسمي وباسم أبويا الضامن، فالشقة دي من اللحظة دي شقتي أنا! وابنك السبع اللي فرحانة بيه ده، أنا دلوقتي حالا بلم له هدومه في أكياس زبالة عشان أرميه برة الباب! خدو الزغاريط بتاعتكم بقى واطلعوا استقبلوه في الشارع، عشان من النهاردة مفيش شقة، ومفيش فخدة ضاني، ومفيش مائدة رحمن لأبنك يمد إيده عليها!" أغلقت مروة الخط بعنف في وجه الحماة قبل أن تنطق بكلمة، والتحم الصمت من جديد في الصالة، لكنه كان صمتًا يسبق العاصفة الكبرى. التفتت مروة إلى إبراهيم وقالت بصوت حاسم كالسيف: * "خمس دقائق يا إبراهيم.. لو ملمتش الباقي من كرامتك وأخدت شنطتك وطلعت برة، أنا هفتح الباب وأصوّت وألم عليك الشارع كله، وأقول الحرامي جوه الشقة، وهخلي أهلك الواقفين تحت يتفرجوا على زفتك وإنت نازل في إيد الجيران.. أخلص!" شعر إبراهيم بالدم يغلي في عروقه، تملكته رغبة عارمة في الاندفاع نحوها وضربها، لكنه تذكر فجأة شقيقها الأكبر "أحمد" وبنيته القوية، وتذكر أن صاحب العقار رجل صارم وصديق لوالد مروة، وأن القانون في صفها تمامًا طالما العقد باسمها. انكسر جبروت إبراهيم في لحظة واحدة، وتحولت نظراته إلى انكسار وخزي. انحنى على الأرض يجمع قمصانه وبنطلوناته بيدين ترتعشان، ووضعها داخل الحقيبة كيفما اتفق، ومروة واقفة فوق رأسه تتابع المشهد ببرود تام. سحب سحاب الحقيبة بعنف، ووقف ونظر إليها وعيونه حمراء من كثرة الغيظ المكبوت وقال: * "ماشي يا مروة.. الشقة والفرش حلال عليكي، بس وحياة أمي لوريكي، والمحاكم بيننا، وقائمة المنقولات دي مش هتشوفي منها مسمار واحد!" ضحكت مروة وقالت: * "القائمة في الحفظ والصون عند المحامي من الصبح يا هيما.. يعني حتى هدومك اللي في الشنطة دي أنا سايباها لك كرم مني. يلا.. مع السلامة." جر إبراهيم حقيبته الثقيلة، وخطا نحو الباب بخطوات منكسرة، وخرج إلى السلم. وما إن تجاوز عتبة الشقة، حتى رمت مروة خلفه الحقيبة الأخرى التي كانت تحتوي على أحذيته ومتعلقاته الشخصية، وأغلقت الباب الخشبي الثقيل، ودارت المفتاح في القفل ثلاث دورات كاملة، ثم سحبت الترباس الحديدي. في تلك اللحظة، ولأول مرة منذ سنة، تنفست مروة بعمق. أحست أن جبلًا كان جاسمًا على صدرها قد انزاح. سارت نحو الصالون، وجلست على الأريكة، ونظرت إلى الفوضى وبقايا العزومة على السفرة، ولم تعد تشعر بالتعب في رجليها. وفي الأسفل، في الشارع.. كان إبراهيم يخرج من باب العمارة يجر حقيبته، ليتفاجأ بأمه وبناتها الثلاث يقفن في حلقة، ووجوههن مخطوفة ومذهولة، والشارع كله ينظر إليهم بعد أن سمعوا صياح مروة من الشباك. تقدمت الحماة نحو ابنها وقالت بزهول: * "جرى إيه يا إبراهيم؟ فين هدوم البت؟ وإيه الشنط اللي في إيدك دي؟!" نظر إبراهيم إلى الأرض وقال بصوت مخنوق: * "الشقة طلعت باسمها يا أمي.. وطردتني!" لم تكد الحماة تفتح فمها لتصرخ، حتى انفتح شباك الدور الثالث، وخرجت منه مروة، وبيدها مكنسة بدأت تنفضها في الهواء وهي تنظر إليهم في الأسفل، وقالت بصوت مسموع للشارع كله: * "يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. الشقة نظفت، والبيت رجع لأصحابه!" لم يكن هذا نهاية المطاف، بل كانت مجرد البداية لمعركة جديدة بدأت خيوطها تتحرك في عقل الحماة التي قررت الانتقام، وفي عقل إبراهيم الذي شعر بالخزي أمام أهله وجيرانه.. وبدأت المؤامرة تأخذ مجرى آخر تمامًا في المساء. ## الجزء السادس: طبول حرب الشوارع ساد الصمت في الشارع لثوانٍ معدودة بعد كلمات مروة القاتلة التي ألقتها من الشباك، قبل أن تنفجر الحماة "أم إبراهيم" بصرخة مدوية شقت سكون المنطقة، وبدأت تلطم خديها وتصيح بعلو صوتها ليسمعها القاصي والداني: * "يا فضحيتنا في وسط الناس! يا ناس يا عالم.. شوفوا البت اللي لسه مكملتش سنة في بيتنا بتطرد ابن بطني برة شقته؟ بتطرد الراجل اللي سترها وجوزها؟! يا مروة يا خطافة الرجال يا قليلة الأصل!" بناتها الثلاث لم يقفن صامتات، بل بدأن في توجيه الشتائم والنظر إلى شباك مروة، وحولوا الشارع الهادئ إلى ساحة "ردح" علني. تلملم الجيران حولهم من كل حدب وصوب، ينظرون إلى إبراهيم الواقف منكس الرأس، يمسك بحقيبته وعلامات الخزي تكسو وجهه بالكامل، هو الذي كان يمشي في هذا الشارع كالديك الفصيح، أصبح الآن مطرودًا من بيته في وضح النهار. حاول إبراهيم سحب أمه من يدها وهو يهمس بغيظ مكتوم: * "يلا نمشي من هنا يا أمي.. الفضيحة بقت بجلاجل، الناس بتتفرج علينا، يلا على البيت وهناك نتصرف." نترت الأم يدها من قبضته بعنف وقالت وعيناها تلمعان بالشر: * "نمشي فين يا خايب؟! نمشي ونسيب لها الشقة والفرش واللحمة اللي إنت شاريها بفلوسك؟ أنا مش هتحرك من هنا إلا والبت دي نازلة في إيد الحكومة!" في تلك الأثناء، كانت مروة تقف خلف الستار، تراقب المشهد ببرود تام. لم تلتفت لشتائمهم، بل أخرجت هاتفها واتصلت بشقيقها أحمد مرة أخرى، وقالت له بلهجة حاسمة: * "أحمد.. إبراهيم وأمه وأخواته عاملين غاغة تحت البيت وبيلموا عليا الناس. تعالي إنت وبابا، بس متعملوش مشاكل، هجيبوا معاكم محامي أو اطلبوا شرطة النجدة تثبت الحالة إن الشقة شقتي وهو طلقني، عشان نخلص من القصة دي قانوني وقام الناس كلها." قال أحمد بصوت غاضب: * "مسافة السكة يا مروة، خمس دقائق وهنكون عندك، والي يمد إيده على بوابة العمارة هنقطعها له." تحت في الشارع، بدأت الحماة تخطط للخطوة التالية. التفتت إلى بناتها وقالت بفحيح الأفاعي: * "اطلعي يا بت إنتي وهي.. اكسروا باب الشقة عليها، الشارع ده شارعنا وإحنا أصحاب الأرض، والبت دي ملهاش لزمة هنا، اطلوا جروها من شعرها وارموها في الشارع!" اندفعت الشقيقات الثلاث نحو مدخل العمارة كأنهن جيش يهاجم حصنًا، وتحرك إبراهيم خلفهن بنوع من التردد، لكن الجبن والخوف من القانون كانا يكتفانه. صعدت البنات السلالم بسرعة وعيونهن تطق شرارًا، ووصلن إلى باب شقة مروة وبدأن في الدق عليه بأيديهن وأرجلهن بعنف مفرط وصياح عالي: * "افتحي يا مروة! افتحي يا خطافة الشقق يا حرامية! والله ما هنسيبك النهاردة إلا وإحنا مطلعين روحك في إيدينا!" خلف الباب المغلق بقوة، كانت مروة تقف بثبات، ممسكة بهاتفها المحمول وهي تسجل بهدوء أصوات التهديد والضرب على الباب كاملاً، لتكون دليلًا قانونيًا لا يقبل الشك. لم تنطق بكلمة واحدة لترد عليهن، بل تركت الاستفزاز يفعل فعله في نفوسهن حتى يرتكبن أكبر خطأ ممكن. فجأة، ساد صوت هرج ومرج في أسفل العمارة، وجاء صوت جهوري مألوف هز أرجاء المكان. كان هذا صوت "أحمد" شقيق مروة، ومعه والديها، وبصحبته أمين شرطة واثنين من أفراد الأمن الذين استدعاهم أحمد من نقطة الشرطة القريبة لإثبات التعرض. صاح أحمد وهو يصعد السلم وخلفه رجال الأمن: * "جرى إيه يا حارة من غير كبار؟! إيه القلة الأدب والبلطجة دي؟ بعد ما ابنكم يطلق البنت وعقد الشقة باسمها وباسم أبويا، جايين تتهجموا عليها في بيتها؟!" نزلت شقيقات إبراهيم يركضن إلى الأسفل عندما رأين ملابس الشرطة الزرقاء. وفي الشارع، تراجع الجميع خطوتين للخلف. تقدم أمين الشرطة نحو إبراهيم وأمه وقال بنبرة صارمة: * "جرى إيه يا حاجّة؟ إيه اللمة والوش ده؟ الأستاذ أحمد مقدم بلاغ تضرر وتعرض، ومعاه عقد إيجار رسمي موثق باسم أخته. لو سمحتوا، كل واحد على بيته، والي عنده حق يروح المحكمة، إنما شغل البلطجة ده حسابه في القسم!" انكمشت الحماة وتراجعت، بينما قال إبراهيم بوجه شاحب: * "يا باشا دي مرتي ودي شقتي.." قاطعته مروة التي فتحت الباب ونزلت بضع خطوات على السلم، وهي تمسك بهاتفها وتقول بصوت مسموع للجميع: * "كنت مرتك يا إبراهيم.. إنت طلقتني بالتلاتة قدام أهلك وأهلي، والعقد باسمي، وتليفونك مسجل عليه مكالمة أمك وإنت بتقول لها إنت طلقتها. اتفضل خذ أهلك وامشي من هنا، عشان البلاغ الجاي هيكون محضر عدم تعرض وسب وقذف بالصوت والصورة!" أدركت الحماة أن الكفة قد انقلبت تمامًا، وأن مروة رتبت كل شيء بذكاء قانوني لم يتوقعوه من "البت الغلبانة". سحبت أولادها وهي تنظر لمروة بغل أعمى وهمست: * "ماشي يا مروة.. الشقة والفرش خليهم ينفعوكي، بس وحياة دموعي دي لأخليكي تبكي بدل الدموع دم، وإبراهيم هيتجوز عليكي الأسبوع الجاي، وهنيجي نقعد في الشارع ده نكيدك كل يوم!" رحلوا وهم يجرون أذيال الخيبة، ودخلت مروة شقتها بصحبة أبيها وأخيها الذين ربتوا على كتفها فخرًا بشجاعتها. لكن مروة كانت تعلم أن أم إبراهيم لن تصمت، وأن الأيام القادمة تخبئ مؤامرة قذرة من نوع آخر.. مؤامرة ستستهدف شرف مروة وسمعتها في الشارع نفسه لـإجبارها على ترك الشقة.