متجوزه بقالى سنه ٤

حكايات رومانى مكرم

* “سمعتي عن مروة؟ طردت جوزها.. وأمه بتقول إنهم قفشوا عليها حاجات! البت قاعدة لوحدها في الشقة والظاهر البيت مفتوح لـ…”

في عصر ذلك اليوم، نزلت مروة من العمارة لتشتري بعض المستلزمات البسيطة. وما إن خطت خطواتها الأولى في الشارع، حتى شعرت ببرودة غريبة تحيط بها. نظرات الجيران التي كانت دائمًا مليئة بالترحاب، تحولت فجأة إلى نظرات متفحصة، مريبة، ومليئة بالاحتقار والهمس.

مرت مروة أمام أم محمد البقالة، فقالت بأدب:

* “السلام عليكم يا أم محمد، عايزة كيلو رز وزجاجة زيت.”

نظرت إليها أم محمد بجفاء من فوق لتحت، ولوت فمها قائلة بنبرة باردة:

* “مفيش رز يا مروة.. والمحل قفل خلاص، شوفي لك مكان تاني تشتري منه.”

صعقت مروة من المعاملة، والتفتت لتجد اثنتين من نساء الشارع تقفان بعيدًا وتنظران إليها وتتهامسان بضحكات خبيثة، وتضع الواحدة يدها على فمها. أحست مروة فجأة بأن هناك جدارًا من الاتهامات غير المرئية يُبنى حولها. تسارعت دقات قلبها، وعادت إلى شقتها بسرعة وهي تجر أذيال الصدمة وعلامات الاستفهام تعصف بعقلها.

وقفت وراء باب الشقة وهي تتنفس بصعوبة، ولم تمضِ دقائق حتى رن جرس الهاتف المألوف، وكان المتصل هذه المرة جارتها المقربة في العمارة “أم أحمد”، وهي امرأة طيبة ترفض الظلم.

قالت أم أحمد بصوت خفيض ومرعوب عبر الهاتف:

* “الحقيني يا مروة.. أنا قولت لازم أقولك لوجه الله قبل ما الدنيا تخرب فوق دماغك.”

قالت مروة بلهفة وخوف:

* “في إيه يا أم أحمد؟ ماله الشارع بيبص لي كده ليه؟”

ردت الجارة بنبرة مأساوية:

* “حماتك وبناتها مخلّوش حتة في الشارع إلا وقالوا فيها إن إبراهيم طلقك عشان قفش عليكي راجل في الشقة! وعاملين غاغة ومقاطعة ضدك، وبيجمعوا توقيعات من سكان الشارع عشان يقدموها لصاحب العمارة ويطردوكِ بداعي إنك ‘ست مش مظبوطة’ والبيت بقى مشبوه! الشارع كله مقلوب عليكي يا بنتي وحماتك حالفة لتجيب ديرتك الأرض!”

تجمد الدم في عروق مروة، وشعرت بأن الأرض تدور بها. لم يكن الأمر مجرد خلاف على شقة أو طعام، بل تحول إلى طعن في أقدس ما تملك.. شرفها وسمعة أبيها الذي طفح الدم ليربيها.

نظرت مروة إلى الفراغ، وبدأت دموعها المحبوسة منذ الأمس تتجمع في عينيها، لكنها سرعان ما مسحتها بعنف، وتحول الخوف في عينيها إلى غضب عارم أعمى. تذكرت كلام حماتها في الأسفل بالأمس: “لأخليكي تبكي بدل الدموع دم”، وأدركت أن اللعب الآن أصبح بـ”الدم الشرف”.

التفتت مروة نحو المطبخ، ثم نحو باب الشقة، وقالت بصوت قوي كالرعد وهي تحدث نفسها:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *