متجوزه بقالى سنه ٤
حكايات رومانى مكرم
أغلقت مروة باب شقتها بعد أن غادر شقيقها أحمد ووالداها، بعدما اطمأنوا أن الأمور هدأت تمامًا وأن الشرطة وضعت حدًا لبلطجة “أم إبراهيم” وبناتها. جلست مروة في الصالة، وأخيرًا سمحت لجسدها أن يرتخي بعد ساعات من الشد العصبي المتواصل. نظرت إلى الشقة الهادئة، وبدأت في تنظيف آثار العزومة المشؤومة، وهي تشعر بنظافة غريبة تسري في أرجاء المكان، كأن الرائحة الكتمة التي كان يتركها إبراهيم وأهله قد تبخرت مع خروجهم.
لكن على الجانب الآخر من الشارع، وفي شقة الحماة التي تبعد خطوات معدودة، كانت الأنوار مضاءة حتى الفجر. كان إبراهيم يجلس على الكرسي واضعًا رأسه بين كفيه وعلامات الخزي تملأ وجهه، بينما كانت أمه تطوف الصالة كالنمر الحبيس، وبناتها الثلاث يثرن خلفها الغل والتحريض.
صاحت الأخت الكبرى “نجوى” وهي تضرب كفًا بكف:
* “بقى حتة البت دي تكسرنا قدام الجيران والشرطة؟ وتطرد إبراهيم وسيرتنا تبقى على كل لسان في الشارع؟ إحنا مبقاش لينا عين نمشي وسط الناس يا أمي!”
توقفت الحماة فجأة، والتفتت إليهم وعيناها تلمعان ببريق شيطاني، وقالت بنبرة منخفضة ممتلئة بالسم:
* “الشرطة والقانون بيحموا العقود والأوراق.. بس مبيحموش السمعة! البت دي طالما قعدت لوحدها في الشقة، يبقى لازم نخلي الشارع نفسه يطردها، وصاحب البيت يترجاها تاخد بعضها وتمشي عشان يخلص من قرفها.”
رفع إبراهيم رأسه وقال بتوجس:
* “قصدك إيه يا أمي؟ هتعملي إيه؟”
اقتربت منه أمه وقالت بوجوه مكشرة:
* “إنت طلقتها شفوي ومفيش ورق رسمي لسه، والناس كلها عازبة إنها قعدت لوحدها في الشقة من ليلتها. من الصبح، كل واحدة فينا تطلع على جارة.. نجوى تدخل على أم محمد البقالة، وشيماء تروح لستات الحارة، ونقول إن إبراهيم طلقها عشان شاف عليها حاجات مش تمام! ونقول إن البت دي مكنتش مظبوطة وإحنا كتمنا على الموضوع عشان سُمعتنا، والنهاردة هي قاعدة لوحدها في الشقة ومستنية حد يجيلها! لما الشارع كله يتكلم عن شرفها، أبوها هييجي ياخدها وهو منكس راسه، وصاحب البيت هيطردها عشان يحمي سموعية عمارته!”
تردد إبراهيم لثانية، فمروة رغم كل شيء كانت زوجته طوال سنة ولم يرَ منها إلا العفة، لكن غيظه وانكسار كبريائه جعلاه يصمت ويوافق على المؤامرة الدنيئة بطأطأة رأسه.
ومع شروق شمس اليوم التالي، بدأت الآلة الشيطانية للحماة في التحرك. بدأت الشائعات تنتشر كالنار في الهشيم بين أزقة الشارع الضيق. همسات مسمومة على عتبات البيوت، وغمزات عين بين الستات أمام محلات الخضار والبقالة: