بعد موت امى ٣
أمانى السيد
المحامي قال: “إحنا هنطلب إعادة فتح تحقيق في شهادة وفاة والدتك بناءً على المذكرات دي، وبلاغ التزوير الحالي هيخلي النيابة تاخد كلامنا بمحمل الجد، والكل هيبدأ ينهار ويعترف على بعضه عشان ينجي بنفسه.”
ومرت الأيام سريعة كأنها إعصار.. وجاء يوم الجلسة الأولى والمواجهة الكبرى أمام قاضي المعارضات لتجديد الحبس. دخلت قاعة المحكمة وأنا لابسة لبس نظيف ورافع راسي لأول مرة في حياتي. قعدت في المقاعد الخلفية مستنية، ولما فتحوا باب القفص عشان يدخلوا المتهمين، اتصدمت من منظرهم.
دخل بابا وهو جازز على سنانه، وشه أسود كأنه طالع من قبر، والعباية اللي كان بيتباهى بيها بقت مبهدلة ومليانة تراب. وعمتي دخلت وهي ساندة على عسكري، وشها دبلان وشعرها شايب ومتبهدل، ومفيش في إيدها غوايش دهب ولا مظاهر الكبرياء اللي عاشت بيها. وجوزي.. العريس اللي كان من أيام واقف يتغزل في عروسته ويهددني بالدفن، كان لابس بدلة الفرح اللي اتقطعت كمامها واتملت بقع من بهدلة الحجز، وشه كان مليان ذل وعينيه مكسورة وباصص في الأرض من الففضحة وسط الناس وقرايبنا اللي واقفين يتفرجوا.
أول ما عمتي لمحتني قاعدة، صرخت بصوت مكتوم وهي بتعيط: “بوس قدمك يا بنتي.. تنازلي عن المحضر، شقا عمري ضاع والبيت هيتخرب، ابني هيموت جوة!”
لكن العسكري نهرها وقعدها غصب عنها.
المحامي بتاعي اتقدم قدام منصة القاضي، وبدأ يتكلم بصوت هز جدران القاعة، شرح قض*ية طفلة أتربت على الخنوع والذل، سرقوا طفولتها وفلوسها وورث أمها، وزوروا إمضتها وهي م تملكش من الدنيا غير طاعتها لستها، ولما كبرت جوزوها زي الجارية عشان يضمنوا سكاتها، ويوم فرح ابنهم اللي بفلوسها، ضربوها وأهانوها وطردوها في الشارع.
محاميهم حاول يتكلم ويقول إن الفلوس والدهب اللي معاها هما دليل السرقة، لكن القاضي بص في تقرير أبحاث التزييف والتزوير المبدئي اللي أكد إن التوقيع على ورقة التنازل مزور بنسبة مية في المية، وبص لتقرير الطب الشرعي اللي بيثبت كدمات الاعتداء على وشي وجسمي.
القاضي بص لبابا وعمتي بنظرة احتقار شديدة، وخبط بمطرقته وقال: “بعد الإطلاع على الأوراق وتقرير الطب الشرعي وأبحاث التزوير، تقرر المحكمة استمرار حبس المتهمين خمسة عشر يوماً على ذمة التحقيق، مع إحالة أوراق الق*ضية إلى محكمة الجنايات بتهمة التزوير في محرر رسمي واستعماله، والاعتداء بالضرب المبرح والاحتجاز.”
وفي اللحظة دي، والمحامي بتاعي بيقدم طلب رسمي لإعادة فتح التحقيق في وفاة والدتي بناءً على المستندات الجديدة، بابا حس إن حبل المشنقة بيلف حوالين رقبته بجد. انهار تماماً في القفص، وبدأ يصرخ بهستيرية ويشاور على أخته (عمتي): “أنا مق*تلتش حد! هي السبب! هي اللي مشت في حوار التزوير وهي اللي كانت بتضغط على مراتي الله يرحمها لحد ما ماتت من القهر! أنا اعترفت بكل حاجة.. سيبوني اخرج!”