بعد موت امى ٣
أمانى السيد
مسكت التليفون وبصيت للرسالة، وبصيت للمحامي اللي كان مستني ردي عشان يبلغ محاميهم. النار اللي جوايا مكنتش لسة انطفت، والشقة اللي فوق اللي كانوا بيذلوني بيها مبقتش طموحي، أنا بقيت عايزة أشوفهم في المكان اللي يستحقوه.. ورا القضبان.
وقفت وقولت للمحامي بصوت مفيش فيه تراجع: “قولهم إن الخدامة بتقولكم.. الحساب لسة ما قفلش، والصلح ده مش هتشوفوه ولو دفعوا عمري كله تمن ليه.”
المحامي ابتسم وقال: “هو ده الكلام.. يبقا نجهز للجلسة الجاية، لأن المفاجأة الكبيرة لسة مظهرتش، وباباكي مخبي سر تاني لو ظهر.. هيوديهم في داهية تانية خالص.”
بصّ لي المحامي بنظرة فخر، وأخد تليفونه وطلب محاميهم على الخاص، وفتح الاسبيكر عشان أسمع بنفسي. قال له ببرود شديد: “موكلتي ترفض الصلح جملة وتفصيلاً، وأعلى ما في خيلكم اركبوه.. الجناية هتمشي لمسارها الطبيعي، والنيابة مش هتقبل التنازل في تزوير محرر رسمي وأكل مال قاصر.”
صوت محاميهم كان مخنوق ومرعوب وهو بيرد: “يا أستاذنا فكروا تاني، الناس دي هتموت جوة الحجز، عمتها ضغطها علي ونقلوها مستشفى السجن، والزوج مستقبله بيضيع ببدلة فرحه، والأب هيموت من الكسرة.. الشقة اللي فوق جاهزة والتنازلات عن البيت كله جاهزة بس تمضوا!”
المحامي قفل السكة في وشه من غير ما ينطق بكلمة تانية، والتفت لي وقال: “الحديد وهو سخن يا بنتي. دلوقتي لازم نعرف السر التاني اللي أبوكي مخبيه واللي بسببه كان رامي رقبته تحت رجلين أختك وابنها.”
سألته باستغراب: “سر إيه تاني يا متر؟ هما سابوا فيا حاجة مأخدوهاش؟”
المحامي فتح درج مكتبه وطلع دوسيه قديم مغبّر، كان كاتبه جار ستي الله يرحمه من سنين، وقال: “ستي الله يرحمها مكنتش مأمنة لأبوكي ولا لأختها. قبل ما تموت، كتبت في الدفتر ده إن أمك الله يرحمها م ماتتش موتة طبيعية.. أمك دخلت المستشفى بعد خناقة كبيرة مع أبوكي وعمتك بسبب البيت ده والورث، وستي كانت شاكة إن في شبهة جنائية بس مكنش معاها دليل ولا فلوس تقف في وشهم، وعشان كدة أبوكي كان خايف من عمتك وراضي يرميكي ليها خدامة عشان تفضل كاتمة السر ده وما تبلغش عنه!”
الكلام نزل عليا كأنه صعقة كهربت جسمي كله. دموعي اللي نشفت نزلت غصب عني، بس المرة دي دموع قهر على أمي اللي عاشت وماتت مظلومة تحت إيد نفس الدياب. وقفت على حيلي وقولت وصوتي بيرتعش من الغضب: “يعني هما مش بس سرقوا فلوسي وصغري وكسروا فرحتي.. دول قت*لوا أمي كمان؟! وحياة حرقة قلبي السنين دي كلها مش هسيبهم!”