امبارح بليل ١
كامله
قعدت في مطبخي، على الكرسي بتاعي، وبدأت تتنهد وتشتكي من معاشها الصغير وإزاي الدنيا غليت وكل حاجة بقت نار.
وقالت وهي بتمسح بوقها: “الأهل لازم يقفوا جنب بعض.. الفلوس اللي مركونة في البنوك دي ملهاش عازة وخسارة، والواحد ميعرفش بكرة فيه إيه، والأكبر سناً أولى بالدعم.”
مكانتش بتقولها صريحة: “هاتي ورثك.”
بس مكانتش محتاجة تقولها أصلاً.
الناس اللي بتشتغل في الأرقام والحسابات بيبقوا مدربين يفهموا اللعاب من أوله ويفكوا الشفرات.
أنا ما جادلتش.
ولا عيطت.
ولا عملت مشهد درامي عن الحدود والأدب.
تاني يوم الصبح، لبست جاكتي، ونزلت وسط المطر والجو الساقعة، وطلعت على البنك علطول.
غيرت اللي لازم يتغير.
ونقلت الفلوس اللي لازم تتنقل.
وسبت كارت واحد بس بالباسورد القديم اللي جوزي حافظه من سنين.
الحساب ده مكنش فيه أي حاجة تذكر.. يدوبك بتاع خمسين جنيه!
بس كان مربوط بسيستم أمان في البنك بيبعت إنذار فوري على تليفوني لو حصلت أي محاولة لسحب مبلغ كبير.
لما رجعت البيت بالليل، كان عامل لي العشا ومجهز كل حاجة، وبان عليه قمة الحنية والاهتمام.
“شكلِك تعبانة قوي يا حبيبتي.. لازم تخشي تنامي بدري وتريحي.”
وفعلاً، دخلت نمت.
وديرت ضهري ليه.
وسبته يعيش الوهم إني رحت في النوم.
قرب نص الليل، اتسحب من السرير وخرج في الطرقة.
صوته كان واصل لي من ورا الحيطة كفاية إني ألقط كل كلمة كان فاكر إني عمري ما هعرفها.
كان بيقول لأمه تستخدم “الكود بتاعي”، وتروح عند مكنة الـ ATM قبل ما أنا أصحى، وتفضّي الحساب كله قبل ما ألحق “أقفل الكارت”.
ما اتحركتش من مكاني.
ولا قمت واجهته.
أنا بس ابتسمت في الضلمة.
لأن الصدمة اللي كانت مستنياهم كانت أكبر بكتير من تخيلهم.
بعدها بحوالي أربعين دقيقة، تليفونه اللي كان على الكومودينو اتهز جامد وبشكل متواصل.
خطفه بسرعة لدرجة إن أباجورة السرير كانت هتقع.
بصة واحدة للرسالة اللي جات له من أمه، وكانت كفيلة تخلي الدم يهرب من وشه كله ويبهت.
إيده بدأت تترعش بطريقة غريبة.
أنا فضلت محافظة على نفسي الهادي والمنتظم.
وعينيا مقفولة.
عملت نفسي لسه نايمة…
في الوقت اللي ليلته فيه—وجوازنا كله—كان بيتفرفك وينتهي وهما مش حاسين، وعمر ما في حاجة
عمر ما في حاجة هترجع زي الأول، واللعبة اللي افتكروها تسلية، قلبت عليهم بكابوس حقيقي.
جوزي، “كريم”، فضل واقف في ضلمة الأوضة دقايق كاملة مش قادر ينطق، التليفون في إيده كان لسه بيتهز، والرسالة اللي مكتوب فيها “يا ابني، دي طلعت عارفة كل حاجة.. أنا بيحصلي حاجة غريبة هنا…” كانت ظاهرة ونور الشاشة عاكس على وشه الباهت. حاول يتصل بأمه مرتين، تلاتة، أربعة.. والخط بيدي جرس طويل وبعدها يقطع أو يدي غير متاح.