متجوزه بقالى سنه ٣
حكايات رومانى مكرم
نظر إبراهيم إلى شاشة هاتفه التي تضيء باسم “أمي”، ثم نظر إلى باب غرفة النوم حيث كانت مروة تقف وبيدها حقيبة ملابسه الفارغة، وعيناها ترميانه بنظرات صلبة لا تلين. كان صوت رنين الهاتف في صمت الصالة يشبه دقات ساعة تنازلية لانفجار وشيك.
أجاب إبراهيم بصوت متحشرج يحاول إخفاء رعشته:
* “أيوة يا أمي.. أيوة، وصلتوا؟”
جاءه صوت أمه عبر السماعة حادًا، مرتفعًا وممتلئًا بالغل، لدرجة أن مروة سمعت كل كلمة وهي واقفة على بعد خطوات:
* “وصلنا إيه يا فالح؟! إحنا لسه تحت بيتكم مروحناش! بقى حتة البت دي تعمل فينا كده يا إبراهيم؟ وتجيب أهلها يشاركونا في الأكل اللي إنت دافع دم قلبك فيه؟ وتلقح علينا كلام في الرايحة والجاية؟! طردتنا يا إبراهيم عيني عينك وأنت واقف زي اللوح ومستني لما نلم هدومنا ونمشي؟ لو ما جيتش حالا وطلقتها ورميت هدومها في الشارع، لا أنا أمك ولا أعرفك ليوم الدين!”
بلع إبراهيم ريقه، ونظر إلى مروة التي لم يهتز لها جفن، بل ابتسمت بسخرية وأشارت له بسبابتها نحو الباب، وكأنها تستعجله الخروج. تنحنح إبراهيم وقال لأمه بنبرة حاول أن يجعلها جهورية:
* “أمي.. امسحيها فيا أنا، أنا خلاص طلقتها حالا ووقعت اليمين!”
صاحت أمه بتهليل وشماتة سمعتها أخواته اللاتي بدأن يزغردن في الشارع أسفل البلوف:
* “عفارم عليك يا ابن بطني! هو ده ابني السبع اللي ميرضاش بالدنية! ارمي لها بقى حاجتها وخلّي أبوها ييجي يشيلها في قفص طماطم، وانزل لنا عشان نطلع شقتنا نقعد براحتنا!”
هنا، لم تنتظر مروة. خطت خطوات سريعة ونزعت الهاتف من يد إبراهيم المذهول، ووضعته على مكبر الصوت، وصاحت بنبرة هزت أرجاء الشقة:
* “اسمعي يا حماتي.. اسمعي كويس إنتي وبناتك والزغاريط اللي شغالة تحت دي! إبراهيم فعلاً طلقني، وبما إنه طلقني، والشقة دي إيجارها باسمي وباسم أبويا الضامن، فالشقة دي من اللحظة دي شقتي أنا! وابنك السبع اللي فرحانة بيه ده، أنا دلوقتي حالا بلم له هدومه في أكياس زبالة عشان أرميه برة الباب! خدو الزغاريط بتاعتكم بقى واطلعوا استقبلوه في الشارع، عشان من النهاردة مفيش شقة، ومفيش فخدة ضاني، ومفيش مائدة رحمن لأبنك يمد إيده عليها!”
أغلقت مروة الخط بعنف في وجه الحماة قبل أن تنطق بكلمة، والتحم الصمت من جديد في الصالة، لكنه كان صمتًا يسبق العاصفة الكبرى.
التفتت مروة إلى إبراهيم وقالت بصوت حاسم كالسيف:
* “خمس دقائق يا إبراهيم.. لو ملمتش الباقي من كرامتك وأخدت شنطتك وطلعت برة، أنا هفتح الباب وأصوّت وألم عليك الشارع كله، وأقول الحرامي جوه الشقة، وهخلي أهلك الواقفين تحت يتفرجوا على زفتك وإنت نازل في إيد الجيران.. أخلص!”