مراتى بتشتغل ٣
كامله
نزلت السلم وجسمي كله بيترعش، والدرج المكسر بتاع البيت القديم كان كأنه بينزلني لقبري. أول ما رجلي لمست الشارع، لقيت تلات عربيات دفع رباعي سودا واقفين قافلين الزقاق الضيق، ورجالة بجلاليب وصقاليين شكلهم هيبة ويخوف واقفين وحواليهم أهل المنطقة بيتفرجوا من بعيد برعب.
من وسطهم طلع راجل كبير في السن، شعره أبيض كله، ولابس عباية صعيدي غالية جداً وعليها شال كشمير. عينه كانت حادة زي الصقر. أول ما شافني، بص للمحضر اللي معاه وقال بصوت جهوري هز الحارة:
— هو ده؟ هو ده ولد عبد الرحمن؟
الراجل اللي جنبه هز رأسه وقال: “إيوه يا فؤاد بيه، هو بعينه.”
قربت منهم وأنا بلع ريقي، وحاطط إيدي في جيبي على فلوس التعويض بتاعة منى كأني بستنجد بيها.
— أيوة أنا أحمد عبد الرحمن.. في إيه يا فندم؟ ومين حضرتك؟ وأبويا الله يرحمه ماله ومالكم؟ أبويا مات من عشر سنين ومكانش ليه علاقة بحد!
فؤاد بيه بصلي بنظرة كلها غل واحتقار، وتف في الأرض وقال:
— أبوك الله يرحمه مات وماتت معاه أمانته، بس منسناش حقنا! أبوك زمان كان شغال مقاول أنفار ومخازن عند عيلتنا في الصعيد، وقبل ما يمشي ويقعد هنا في مصر، سرق من خزنة العيلة ورق أرض ودفاتر وسندات لسه لحد النهارده بنموت عشان نرجعها.. دفاتر تساوي ملايين، وضيعت وراها أرض وعز ناس ملهمش ذنب!
أنا بقيت بصلهم بذهول:
— سرق؟ أبويا أنا يسرق؟ والله العظيم ما حصل، إحنا طول عمرنا عايشين على القد، وأبويا مات ومسابش لينا غير الشقة اللي اتطردنا منها ومصاريف أختي! لو كان سرق ملايين كنا بقينا في الحال ده؟
فؤاد بيه قرب مني لحد ما بقيت أنفاسه في وشي، وطلع من جيبه ورقة قديمة ومصفرة:
— أبوك مسرقش الفلوس كاش يا فالح.. أبوك هرب بالورق والسندات وعقد أرض جدنا الكبير، ولما تاهت منه هنا في مصر قبل ما يموت، كتب وصية ومضاها وبصم عليها، وقال إن الورق ده أمانة عند مراته وولده.. ومكتوب في الوصية إن الورق ده محطوط في صندوق حديد مدفون أو مستخبي في مكان محدش يعرفه غيركم! إحنا بقالنا سنين بندور عليكم، لحد ما اسمك ظهر في المحاضر والجرايد الأسبوع اللي فات بسبب قضية المصنع.. وعرفنا مكانك.
حسيت إن صاعقة ضربتني. صندوق حديد؟ وصية؟
افتكرت فجأة كلمة أمي زمان لما أبويا كان بيموت، لما قالتلي “أبوك ساب صندوق صغير في بيتنا القديم اللي في القرية وقالي أوعى حد يشوفه”، بس إحنا لما نقلنا مصر نسينا الموضوع تماماً وأمي قالتلي إنه ورق قديم ملوش عازة!