مراتى بتشتغل ٣

كامله

نزلت تحت رجليها وبكيت:

— سامحيني يا منى.. أناو الله العظيم دوقوت الذل ألوان. بيعنا الشقة وبقينا في الشارع، وأمي عيانة بالجلطة وأختي جوازتها اتفركشت وقعدت من التعليم.. وإنتي شوفتيني وأنا ببيع مناديل في المطر.. ارحميني وسامحيني، رجعيني بس مشرف زي زمان وأنا هفضل خدام تحت رجليكي العمر كله!

منى رجعت خطوة لورا، وبصتلي بنظرة خالية من أي مشاعر.. نظرة وجعتني أكتر من السجن. وقالت:

— أنا خلاص سامحتك يا أحمد.. سامحتك عشان أريح قلبي أنا ونفسي، مش عشانك. وعشان أثبت لنفسي إن منى الكبيرة مبتشيلش غل من حد صغير. أنا قدمت طلب للإدارة الإنسانية في المصنع تصرفلك مكافأة تعويض عن اليومين اللي قضيتهم في الحجز بسبب الشبهة، وتقدر ترجع مصنعك.. بس كعامل برضه يا أحمد، لأن الأماكن الإدارية للأمانة والكفاءة، وإنت أثبت إنك معندكش لا دي ولا دي لما بعتني على باب القاعة عشان “كلام أمك والمظاهر”.

منى لفت ضهرها عشان تمشي وتخرج من المكتب، وقبل ما تفتح الباب، التفتت وقالت كلمة وقعت عليا زي الصاعقة:

— على فكرة يا أحمد.. الراجل اللي كان معايا في العربية ليلة المطر.. ده يبقى المهندس شريف، شريكي الجديد.. وإحنا قرينا فاتحتنا وبكتب كتابي الأسبوع الجاي. أنا بعرفك عشان لما تشوف فرحنا مالي الجرايد والمصنع متتفاجئش.. ربنا يسعدك في حياتك الجديدة.. يا ابن الأصول.

منى خرجت وقفلت الباب وراها.. وأنا وقفت مكاني حاسس إن السكينة انغرست في قلبي بجد. منى هتتجوز.. هتتجوز راجل تاني، راجل هيصونها ويشيلها فوق الراس، الراجل اللي هياخد كل الحب والدعم اللي أنا غرزت فيه السكاكين.

خرجت من القسم بعد الإجراءات وأنا حاسس بالضياع التام. رجعت الأوضة الضيقة وأنا شايل الفلوس التعويض في جيبي، بس الفلوس دي كانت حرقاني كأنها جمر نار. دخلت لقيت أمي نايمة، وأختي قاعدة بتعيط ومخبية وشها في إيديها.

حطيت الفلوس على الترابيزة وقلت بدبلان:

— خدي يا دعاء.. دي فلوس من منى.. علاج لأمك وأكل ليكي.

دعاء بصت للفلوس وبصتلي وقالت بصوت مليان رعب وغرابة:

— مش مهم الفلوس دلوقتي يا أحمد.. انزل بسرعة، فيه راجل غريب قالب الدنيا عليك تحت في الشارع، ومعاه رجالة شكلهم يخوف وبيقولوا إنهم جايين ياخدوا حقهم القديم منك إنت وأبوك الله يرحمه!

حسيت إن النفس اتقطع عني.. حق إيه ورجالة مين؟ أبويا مات من سنين ومكانش وراه مشاكل! نزلت السلم وأنا رجلي بتخبط في بعضها، وعرفت إن الحكاية لسه بتفتح أبواب تانية من الجحيم، وإن الماضي مبيسيبش حد في حاله.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *